تركمان العراق |  قضية كركوك  |  حقوق الانسان  |  كتابات مختارة عربي | Trke 
-
الكتلة الاكثر عددا والتفسير المنحرف عن فلسفة الدستور
۲٠١٠/٩/١۲

آيدن آقصو

تستدعي اية ممارسة دستورية ناضجة وصحيحة توفر عنصرين اساسيين ، اولهما : وعي الرسالة الدستورية على جوهرها المكين ، وفلسفتها الحقيقية ، وثانيهما توفر روح الاحترام للنص الدستوري بأعتباره بوصلة انتظام ما يسمى بالعقد الاجتماعي ، او ثنائية الحاكم والمحكوم.

فالدستور بوصفه رسالة من مرسل (المشرع) الى متلق (الشعب) لا يتحول الى نص حي ، تنتظم حوله وبه الحياة . بمضاميرها السياسية والاقتصادية و الاجتماعية ، الا برقي العنصرين الى مستوى الخيار الشعبي .

ولا نعني بـ (الخيار الشعبي) هنا نتائج الاستفتاء على الدستور ، انما نعني ان يكون الدستور ملاذاً فيصلاً عند حدوث اي تقاطع في اي صعيد من اصعدة الحياة ، وبين اي طر ف وآخر من مكونات الشعب.

وقد يحدث ان ينبري احد ما على ان اي دستور في صقع من أصقاع الارض لم ينل درجة ( الخيار الشعبي المبرم) فأن رد ذلك يكمن في ان الكمال غاية غير مدركة للانسان ، وجميع اثاره على الارض ، وجميع انجازاته ، بمعنى ان الدستور وان اختلف عليه بعض مع بعض من الكلية الجمعية لاي شعب من الشعوب ، يظل هو الحاضنة الملاذية الفيصلية على الدوام ، فمع نمو المجتمع وتغير اهدافه وتطلعاته ، وتحول وسائله لبلوغ تلك الاهداف ، يحدث التغيير والتعديل في المتن الدستوري ، لكن لا يلغي حقيقة بقاء الدستور مرجعاً حكيما للجميع ، وهذا يعني ان الدستور فلسفة واهدافاً ثابت مع ثبات نظام حكم المجتمع ، اما المتحول فيه فهو المتن الدستوري

هذه الحقائق تبدو من المسلمات في اي مجتمع دستوري ، لكنها لا تبدو هكذا في المجتمعات التي تضع الدستور ثم تختلف به وعليه ، ثم يتحول الى شماعات لتجويز الاختلاف والاختلاف المضاد.

بيد ان ذلك لا يلغي ضرورة نقل النص الدستوري من حالته المجردة ، الى حالة حيوية ، في فض الاختلافات الناشئة عن مستويات تلقيه (مستوى تلقي اية رسالة يختلف من فرد الى آخر احتكاماً لنوع ثقافته ، ومحيطها ، وجذرها ) لكن هذا الاختلاف لا يجوز ان يكون حاضنة للاحتيال على جوهر فلسفة الدستور والانحراف عنها ، وهو ما حصل في تفسير ( الكتلة الاكبر) في البرلمان.

لقد اقترفت كتلة دولة القانون خطأ دستوريا في لجوئها الى المحكمة الاتحادية لتفسير نص المادة (76) ذلك ان اختصاص المحكمة كما حددها امر السلطة التشريعية ( مجلس الوزراء آنذاك) رقم 30 لسنة 2005 ، قد انحصر في المهام التالية:

(1) الفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم والمحافظات والبلديات والادارات المحلية.

(2) الفصل في المنازعات المتعلقة بشرعية القوانين والانظمة والتعليمات والاوامر الصادرة من اية جهة تملك حق اصدارها والغاء التي تتعارض منها مع احكام قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية ويكون ذلك بناء على طلب من محكمة اوجهة رسمية او مدع بمصلحة.

(3) النظر في الطعون المقدمة على الاحكام والقرارات الصادرة من محكمة القضاء الاداري.

(4) النظر بالدعاوى المقامة امامها بصفة استثنائية وينظم اختصاصها بقانون اتحادي.

وكما هو واضح فليس في مهام المحكمة الاتحادية التي شكلت تحت ظل قانون ادارة الدولة اي شيء يشير الى اضطلاعها بشأن تفسير الدستور لان تشكيلها سابق على اقرار الدستور اولا ولان الدستور اشار في مادته 92 وفقرته الثانية الى تشكيل محكمة اتحادية دستورية ـ ليست الحالية بالطبع ـ من عدد من القضاة وخبراء في الفقه الاسلامي والقانون، وتحدد طريقة اختيارهم وعددهم من خلال قانون يتم التصويت عليه باغلبية الثلثين في مجلس النواب ، وبما ان هذا القانون لم يسن بعد ، والمحكمة الدستورية الاتحادية لم تتشكل ، فمن غير القانوني ولا الدستوري سحب صلاحيات محكمة دستورية ـ لم تقم بعد ـ الى محكمة اسست قبل الدستور وبارادة الحاكم المدني الاميركي ـ قانونا ونظاما وشخوصا ـ وليس بقرار مجلس النواب العراقي.

ولذلك فان اي تفسير يصدر عن المحكمة الاتحادية تفسير لا يعتد به بل ولا قيمة قانونية او دستورية له، لانه لا يتوفر على صفة الزام دستوري لاي طرف، ومرد ذلك الى انطوائه على انحراف واضح عن جوهر فلسفة الدستور التي اعتمدت على قيام النظام السياسي على مبدأ التنافس الديمقراطي البرلماني الذي يمنح الكتلة الفائزة بأكثر عدد من الاصوات الحق الدستوري في تشكيل الحكومة .

ان ابرز المؤاخذات على هذا المعطى من معطيات العملية السياسية عقب جولتها الانتخابية الثانية تكمن في ما يلي:

اولاً: ان تكوين الكتل قبل وخلال الانتخابات جائز قانونياً ودستورياً وفق نظام خاص اصدرته المفوضية العليا المستقلة للانتخابات منح الاحزاب والحركات السياسية زمناً محدداً لتشكيل ائتلافات وكتل تتم المصادقة عليها وفق السقف الزمني المحدد ومن قبل المفوضية ذاتها لا غيرها ولم يشر النظام الى زمن اخر.

اما الكتل التي تتشكل بعد اعلان نتائج الانتخابات فغير جائزة قانونياً ودستورياً لعدم وجود سند دستوري او قانوني يغطيها اولاً ، ولغياب الجهة التي تصادق على شرعية هذه الائتلافات والكيانات وهي المفوضية العليا المستقلة للانتخابات عن ممارسة هكذا تفويض دستوري او قانوني وفقاً للمادة الرابعة من الفقرة (ثامناً) من قانون المفوضية رقم 11 لسنة 2007 والامر رقم 97 لسنة 2004

ثانياً: ان تأمين وثيقة تشكيل تكتل او ائتلاف جديد بعد الانتخابات (التحالف الوطني مثلاً) عند البرلمان او عند رئيس الجمهورية خرق دستوري فليس من مهام البرلمان هذا ، وليس من مهام وصلاحيات رئيس الجمهورية وفقاً للمادة 73 من الدستور.

ثالثاً: تعارفت كل قوانين الدول الديمقراطية التي تبنت النظام البرلماني على قيام رئيس الجمهورية بتكليف الكتلة الفائزة في الانتخابات بتشكيل الحكومة، وتسعى هذه الى تكوين تحالفات خلال السقف الزمني المحدد دستورياً ، من شأنها تشكيل الحكومة ، فان اخفقت يعمد رئيس الجمهورية الى تكليف رئيس الكتلة التي تليها في نسبة عدد المقاعد الحائزة عليها، وهكذا.

الا ان ما حدث بعد الانتخابات الاخيرة لا يشير الى تفسير دستوري مغاير ، قدر ما يشير الى نية الاحتيال على الدستور وتطويعه لاغراض حزبية وفئوية مما يشكل مهاداً لخروقات دستورية اخطر لاحقاً.

رابعاً: لقد اجاز المشرع الدستوري تأسيس نظام خاص للأئتلاف بين الاحزاب والكيانات السياسية في فترة الانتخابات, ولو كان هناك نية للمشرع في اصدار نظام اخر للائتلاف بين الكتل السياسية قبل انعقاد أول جلسة للمجلس الجديد, لما كان قد تردد في اصدار التشريع الجديد بالرغم من مضي ست سنوات ودورتين انتخابيتين, الامر الذي يجعل التفسير الصادر من المحكمة الاتحادية في 25/3/2010 القائم على أداتي شرط غير جازمتين (إما) و (أو) غير موفق بل وبعيدا ً عن جوهر فلسفة الدستور ولا يستند الى سند قانوني مما يفقد هذا الاجراء (التفسير) قيمته والزاميته ويصبح مورد للاجتهاد والنزاع الدستوري لأعتماده معيارا مزدوجا, فمن جهة يجيز للفائز (وهو الكتلة العراقية الان) حق تشكيل الحكومة, ومن جهة ثانية يحرم الفائز من هذا الحق...

خامسا: انطوى تفسير المحكمة الاتحادية على ابعاد سياسية واضحة وميل اوضح الى كفة سياسية معروفة، وهذا الامر على خطورته يومئ بمستقبل مخيف لو استمر على هذا المنوال ، فليس من حق هذه المحكمة او اية محكمة ان تصادر مقصدا دستوريا صريحا او ان تصادر ارادة الناخب ، فالمقصد الدستوري اشار الى استحقاق الكتلة الفائزة حق تشكيل الحكومة ولم يشر الى امكانية تكتل الكتل الخاسرة لاغماط فوز الفائزة وتدمير الارادة الناخبة، وهذا الحال سيقودنا لاحقا الى ان تجد كتلة فائزة ب 49 بالمئة من اصوات الناخبين نفسها خاسرة بعد ان تتشكل كتلة من ست قوائم خاسرة ولو كانت نسبها على التوالي 15 و 10 و8 و7 و4 و3 بالمئة من اصوات الناخبين. وهذا تفسير كسيح وبائس للتنافس الديمقراطي البرلماني المتعارف عليه لانه غمط حق اكثرية الناخبين المتفقة على خيار انتخابي واحد محدد ببرنامج واحد وقيادة واحدة ، لصالح قوائم متناقضة الخيارات الانتخابية ومتناقضة البرامج ومتعددة القيادات.

ثم ، اليس من قبيل التناقض الفج، ان تعمد كتلة دولة القانون الى هذا الاجتراح الذي كان من نتائجه السيئة خروج الناخبين بتظاهرات رافعين شعار قطع اصابعهم الناخبة، بينما هناك سابقة دستورية واقعية تشكلت بموجبها بعد انتخابات 2005 الحكومة الحالية المنتهية ولايتها من قبل الكتلة الفائزة باكثر عدد من الاصوات؟

ولذلك ، ولان الدساتير ترفض المعايير المزدوجة والكيل باكثر من مكيال، ونتيجة لتعدد التفسيرات الخارجة على جوهر فلسفة الدستور ، فأن المخرج الوحيد هو أعطاء العراقية حقها الدستوري في تشكيل الحكومة او ان تجتمع اللجنة التي وضعت الدستور ذاته لا ستيضاح نيتها (نية المشرع) ببيان واضح لا لبس فيه واقتران بيانها بمصادقة مجلس القضاء الاعلى.


ارسل التعليق
الرئيسية
المقالات
الاخبار
الادب
الوثائق
حول المنبر
اتصل بنا
اعلانات
إصدارات

المنبر التركماني غير مسؤول عن الآراء المكتوبة ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر

Turkmen Tribune
contact@turkmentribune.com