تركمان العراق |  قضية كركوك  |  حقوق الانسان  |  كتابات مختارة عربي | Trke 
-
مبدأ المواطنة لدى تركمان العراق ومعاناتهم مع السلطات العراقية

ايوب البزاز

من خلال أستقراء تأريخ الحركات السياسية و الحركات المسلحة المختلفة التي أنطلقت في كافة أنحاء العالم كحركة ألوية الخمير الحمر في كمبوديا، وحرب الباسك في أسبانيا وجيش التحرير الأيرلندي وحركة التحرير الفلسطينية وحتى الحركات الكردية في شمال العراق التي رافقت مسيرة المنطقة في العهود الماضية بأنها قد فشلت في الوصول الى أهدافها بالعنف الثوري وقدمت الكثير من أرواح أفرادها كضحايا بسبب أساليبها الغير المتمـدّنة في المطالبة بالحقوق والتعامل مع الأحداث بينما توصلت الحركات الأخرى التي لجأت الى النضال السلمي والحضاري الى نتائج أيجابية ملموسة وأن طال معهم الزمن.

والشعب التركماني وبسبب غلبة المستوى الفكري والعقائدي والحضاري والديني العالي لديهم والتي خلقت فيهم بالنتيجة- عنصر النضج السياسي - يلجؤون بشكل عام الى الأساليب السلمية في الدفاع عن الحقوق المشروعة والى وسائل حضارية نزيهة دون اللجوء الى السلاح والعنف والأرهاب و ينبذون فكرة القتال . وهذا الخط السياسي للتركمان أخرجته الظروف الجغرافية والتأريخية المتضمنة عدم معاناتهم من حرمان النفوذ السياسي في الماضي القديم حيث أنهم ينحدرون من أصول يشهد لها التأريخ بأقامة أمبراطوريات سياسية وأجتماعية سادتها مفاهيم العدل والعقيدة السمحاء والرحمة ومن دول تركية عديدة تمتد عبر أواسط أسيا وأوربا . لذا فلا يحملون في نفوسهم (عقد النقص المتنوعة) كعقـدة القيادة والحكم والسيطرة على الآخرين وغيرها. وهذا الخيار السلمي يعتبر خيارا عـقلانـيا و منطـقيا لكونه دليل على بعد النظر والى أرتفاع نسبة المثقفين في صفوفهم حسب الأحصاءات الرسمية. وأحسن دليل على هذا الوصف هو عدم نشوء منظمات مسلّحة متطرفة في تأريخهم النضالي ولم ينخرطوا كذلك في أية سياسة هجومية متعالية بأستثناء حالات قليلة متفرقة غلب عليها الأندفاع والهوس العاطفي المتشدد اوكردود فعل آنية على بعض التجاوزات من قبل الآخرين على حقوقهم وكذلك لم تتلطخ أيادي التركمان بدم الآخرين من أبناء الشعب العراقي. وتأريخ العراق يشهد للتركمان خدماتهم الجليلة لوطنهم ولرفعة وعزة بلدهم العراق و كانوا ومازالوا ينادون بحق العيش في وطن واحد يحترم خصوصيتهم القومية ويحترم حقهم في العيش الكريم ضمن التراب الواحد. هذا ولم يشهد تأريخهم الطويل أن رفعوا السلاح بوجه أية حكومة توالت على سدة حكم العراق أو شاركوا في أدوار خيانية للوطن أو ثبتت عليهم تهم العمالة للأجنبي .وأنهم لم يطعـنوا دولة العراق من الخلف كما فعل غيرهم.

وبالتجرد من جميع الهوس والميول العنصرية البغيضة والعمياء لبعض الشوفينيين الذين لايرون الاّ أنفسهم فأن واقع الحال يشهد بنفوسهم العالي في العراق الذي يزيد عن ثلاثة ملايين ونصف نسمة ويكوّنون العنصر الأثني الثالث من حيث النفوس بعد أخواهم من العرب والكرد. والعمليات الأحصائية الثمانية التي جرت لحد الآن لم تظهر العدد الحقيقي لنفوسهم لأسباب عديدة سياسية معروفة لجميع متتبعي تأريخ العراق من المنصفين. غير أن جميع الحكومات العراقية المتعاقبة و منذ تأسيس الدولة العراقية في 1920 م تعمـّدت ، وللأسف ، أخفاء العدد الحقيقي لنفوس التركمان في العراق وتعمّـدت كذلك الى أخراجها الى أدنى مايمكن بحيث لايصدقها العقل البشري ولا المنطق ضاربة عرض الحائط جميع المبادىء الأنسانية وحقوق الأنسان والمواطنة في العيش في بلده آمنا مطمئنا يشارك الآخرين حلاوة العيش ومرارتها .

وقد تعرض التركمان عبر العقود الماضية الى سلسلة من الأجحافات والتجاوزات على كيانهم وحقوقهم القومية ضمن البلد الواحد وحتى على حياتهم وممتلكاتهم. وقد فاق النظام البعثى جميع النظم المتعاقبة الأخرى بدأ من أنكار حقوقهم القومية والثقافية والأجتماعية ومرورا بتشتيتهم في أرجاء البلد وتصفية قادتهم من خلال محاكمات صورية هزيلة لاتحمل الصفة الشرعية والقانونية أبدا و خصوصا الشخصيات العسكرية والقيادية والمثقفة منهم وأنتهاءا الى ما نحن فيه الآن من أحتلال لمدنهم من قبل الفصائل الكردية المسلحة عـقب أستضعافهم الى أدنى ما يكون من قبل الحكومات السابقة!. ولم تكتف الحكومات بذلك فقط بل ولجأت الى أستخدام كافة الأساليب الغير الحضارية والغير المدنية لتزوير أنتمائهم العرقي والتلاعب في نتائج جميع الأحصاءات والتنكر لقوميتهم بشتى الوسائل القهرية الممكنة. وعندما فشلت في محاولاتها العنصرية الخبيثة في قهرهم و بعد أن تبينت لها أستحالة أنكار وجودهم بسبب تناميهم المستمر من حيث العدد وقوة أنتمائهم الوطني للعراق وأمكانياتهم الذاتية العالية في فرض أنفسهم على الساحة كقوة فاعلة في المجتمع العراقي- و في شتى مجالات الحياة لجأت الى أساليب قهرية تعسفية جديدة بدأت عندئذ بتشتيت مراكز تجمعهم خاصة من ولاية كركوك التركمانية وتشريدهم بالتهجير القسري الى المناطق الجنوبية والشمالية والغربية بالترغيب تارة والتهديد بأخرى وقامت بزرع تجمعات سكانية عربية في أراضيها بغية أذابتهم وصهرهم وأختزالهم من "المعادلة السياسية العرقية الثلاثية" للعراق وكأن العراق يتكون من قوميتين فقط هما العرب والكرد!!!.

ورغم جميع تلك التجاوزات اللا أنسانية في حقهم من قبل السلطات الاّ أن ولاء التركمان للعراق بقي صامدا ولم تتغير مواقفهم الوطنية النبيلة تجاهه ولا تجاه أخوتهم من القوميات الأخرى المكوّنة له. وهم مازالوا وسيبقون عنصرا أساسيا و فاعلا في مسيرة البلد يقارعون الظلم والعدوان والأحتلال و ينشدون وحدة التراب العراقي وعزته مع أخوانهم من أبناء البلد الغيارى.

وأزاء هذه المواقف النزيهة والوطنية للتركمان تجاة وطنهم العراق يضطر الأنسان لأثارة تساؤلات تفرض نفسها على واقع الحال لمعرفة سر هذه القسوة في التعامل من قبل النظام البعثي بالذات مع التركمان والسر الكامن في تجاهل الحكومات العراقية لحقوقهم وأسباب التعامل معهم بهذه الهمجية والمحاولات الحثيثة لأنكار وجودهم والأجحاف بحقوقهم الى هذا الحد!!

ورغم قيام جميع تلك الحكومات التي حكمت البلد بالتحدث والتأكيد وعلى الصعيد الرسمي عن الصداقة مع تركيا لكنهم نظروا بعين الشك والريبة للتركمان . فتارة يسمونهم "بالطورانيين" (حتى دون معرفة معنى الطورانية) وتارة يصفونهم بالرتل الخامس (أي جواسيس) لتركيا، وتارة بـ ( الجالية التركمانية) كما أطلقها السيد مصطفى بزركان (الذي يدّعي نفسه بالمفـّكر والمحلل السياسي العربي وهو في الأصل عنصر غير عربي) في أحدى المقابلات التلفزيونية لقناة الجزيرة . وقد قالها السيد بزركان أما جهلا بمعنى الجالية أو أستخفافا بالتركمان حيث لايوجد أحتمال ثالث!. وقد ردّ عليه الدكتور فاروق عبد الله رئيس الجبهة التركمانية عند زيارته للندن في أذار من هذا العام في قناة العربية ردا مناسبا. ويذهب بعض المتشددين من العراقيين بوصفهم مصدر خطر وقلق على أمن البلد!!! ويبدو أن التحليل أو التفسير الأقرب للواقع في مثل هذه الأحوال أن الأستعمار وبعد أنتهاء الحرب العالمية الأولى التي أنهت الأمبراطورية العثمانية في العراق بذرت بذور الحقد والعداء لتركيا بغية الأستحواذ على العراق الغني بالبترول ولغرض أبعادها عن ساحة الصراع السياسي والدولي عليه. وتلك البذور نبتت فيما بعد - في ظل الأنظمة القومية المتوالية على حكم العراق- عن أحقاد عنصرية غادرة ضد التركمان، ثم توارثتها الحكومات العراقية الواحدة تلوالأخرى دون أكتشاف حقيقة الأمر لأنصافهم. وقام بعض المسئولين ورجال الحكم بترديدها كالببغاء دون محاولة فهم أصل التركمان وتأريخهم وترابطهم بتربة العراق بعيدا ومستقلا عن تركيا التي تشاركهم اللغة فقط. وهؤلاء نسوا بسبب جهالتهم أو تناسوا لعنصريتهم العمياء أنه حتى بالأمس القريب تشهد دفاتر أحوالهم المدنية أصولهم العثمانية.

وقد قادتني الصدف في الجيش العراقي الذي خدمته كضابط أحتياط أكثر من أقراني وشاركت في عدة حروب- وتعرّفت فيه على العديد من الضباط من كبار الرتب العسكرية وقادة الجيش وأطباء أخصائيين وحتى من أساتذة الجامعات في فترة عملي بعدد من الجامعات العراقية كانوا يحملون رتب عالية من الدرجة الحزبية وقد أعترفوا و أفشوا لي سر كونهم أو أنحدارهم من عشائر تركمانية معروفة وأصولهم التركية لكنهم بحكم الواقع الساسي العنصري المفروض قد أستعربوا وغيرّوا ألقابهم و يتنكرون لها خوفا اما على مواقعهم الوظيفية والعسكرية والحزبية وخوفا على قوت عيشهم ومستقبل أطفالهم!! أضف الى أن هنالك عقدة الشعور بالنقص التي ولـّدها بقاء العراق تحت الحكم العثماني لأكثر من خمسة قرون مما تسبب في العداء المستمر والى يومنا هذا للأتراك الذين يصفونهم ( بالأستعمار العثماني). ومما يحزّ في النفس الأنسانية قيام بعض الأحزاب العنصرية أو بعض الجهلة من أشباه المثقفين - وبأسلوب غير متمدن بوصف التركمان جزافا بـ(أيتام أتا تورك ) أو أتهامهم بـ (التجسس أو العمالة لحساب تركيا) دون أي برهان ولا أي دليل دامغ لأدانتهم وذلك في محاولة لتشويه سمعة (الجبهة التركمانية) من جهة والتشهير ببعض الشخصيات التركمانية من جهة أخرى من أجل تحييدهم ثم أستضعافهم ثمّ جرهم الى الأنضواء تحت لوائهم بغية محو هويتهم مستقبلا.

لهؤلاء نقول بأن الشعب التركماني ورغم أنحدارهم من نفس الأصول والعرق لأتراك تركيا ألاّ أنّـهم غير أتراك تركيا ولا علاقة لهم بـ (أتا تورك) كما يعتقد الكثيرون جهلا بحقائق الأمور أو تجاهلا لها. بل أنّ ولاءهم موجه للعراق وحده فقط ولا لغيره. وحتى الأتراك أنفسهم يسموّن التركمان حسب دولهم كتركمان العراق وتركمان أذربينجان وتركمان تركمانستان وغيرهم من الدول الست في أسيا الوسطى الناطقة بالتركية. والتركمان ليسوا بجالية ولا هم دخلاء على البلد وأن جذورهم التأريخية في العراق تمتد الى سنة 22 للهجرة حسبما تؤكد مصادر عديدة من كتب التأريخ. وهم ينتشرون في العراق بدأ من حدود تلعـفر في الشمال الغربي للعراق ومرورا في كل من أربيل و كركوك وكفري وديالى وانتهاءا في حدود خانقين ومندلي . وقد خرجت ألاف العوائل التركمانية من المناطق التركمانية ومن كركوك بالذات في نهاية الستينات وبداية السبعينات وهاجرت الى المحافظات الأخرى وأخص منها بغداد لأسباب عديدة معروفة. ومناطق الأعظمية وراغبة خاتون والشعب والمنصور في بغداد ومركز بغداد وجميع أحيائها تشهد على ذلك. وتشهد جميع الوزرات- بضمنها وزارة الدفاع والمؤسسات والدوائر الرسمية وجميع الشركات الرسمية وغيرها في العراق على هذا الأنتشار الواسع لخدمة العراق بأخلاص وتفاني والعمل من أجل رفعة البلد وعزته. ولكن كما هو معروف فأن لكل شيء ثمن وكان لهذا الأنتشار الواسع ثمنا أيضا. و للحديث تكملة....

في الحقيقة تعود بدايات هجرة العوائل التركمانية ومغادرتها لمدينة كركوك قلب التركمان النابض الى بغداد الى نهاية الخمسينات في فترة المد الأحمر وبالأخص بعد أحداث مجازر كركوك البشعة في تموز 1959 التي أستشهد فيها الكثير من المواطنين التركمان الأبرياء على أيدي الشيوعيين العراقيين بعضهم من الفئات الكردية من مؤيدي عبد الكريم قاسم (1). ثم قام هؤلاء بنشر أشاعات أستفزازية في صفوف التركمان تتضمن التهديد والوعيد بأحتمالية تكرار هذه المجازر في السنوات القادمة. ولم تكن بدايات الهجرة بارزة للعيان بل كانت على شكل حالات خاصة تتضمن قيام بعض التركمان بشراء أو تأجير متجر أو منزل في احدى أحياء أو مناطق بغداد الواسعة ثم تنتقل وتلتحق العائلة بشكل كامل لرب الأسرة تحت عدة ذرائع منها التجارة أو التعليم أو نقل الوظيفة الخ... ألاّ أن الستينات وبداية السبعينات شهدت خروج آلاف العوائل التركمانية وبشكل علني وهجرتها الى المحافظات الأخرى وأخص منها بغداد.

والسبب الثاني في هجرتهم هو أنه أشيعت قيام البعض من كل من العرب والأكراد بأتهام التركمان بــ(الطورانية) ولصق هذه التهمة بهم وتضخيمها وجعلها عقدة فيهم.. يجب التخلص منها!. وقد لاحقت هذه التهمة ومازالت الكثيرين من دعاة القومية التركمانية بل بكل من يرفع صوته منهم دفاعا عن حقوقهم المشروعة بغية الأساءة أليهم لتشتيتهم والأ نتقاص من وطنيتهم وحتى تخوينهم من قبل الخصوم والكارهين لهم في محاولة لصهرهم في المجتمع العراقي. أما سر ومنشأ هذه التهمة الباطلة فيعود الى أعقاب أنتهاء الحرب العالمية الأولى (1914-1918) وبدايات نشوء الدولة العراقية في 1920 هو الأستعمار البريطاني نفسه. فقد أشاع الأستعمار البريطاني في تركيا فكرة أن الأقليات التركية التي ظلت خارج الحدود الدولية لتركيا أي في الأقطار المجاورة لها كالعراق ، وسوريا وأيران والأردن وشمل ذلك أيضا أتراك شمال أفريقيا أن من شأن هؤلاء خلق مشاكل سياسية لتركيا الفتية قد تؤدي الى عرقلة نموها!!. ومازالت هذه الفكرة رائجة ولحد الآن في أوساط السياسيين الأتراك بحيث يحاول البعض - وللأسف- تجنّـب التعرض لها في مناقشاتهم الرسمية. ويستغلها الأوربيون في أستخدامها أحيانا لنغـز تركيا بها والتلميح لها من مغبة التورط بالدفاع عن أتراك العراق وتهديدها بعدم قبول عضويتها في الأتحاد الأوربي الذي تحاول تركيا جاهدة الأنضمام له بأي ثمن.

وهذا أيضا أحد الأسباب الكامنة في التجاهل المتعمد من قبل المجتمع الدولي لحقوق التركمان في العراق وأثارة العرب والحكومات العربية ضدهم. ومنذ ذلك الحين أصبحت تهمة (الطورانية) طبخة جاهزة وهاجس أجهزة الأمن والمخابرات لجميع الحكومات التي وصلت الى سدة الحكم في العراق (2). والجدير بالذكر أن جميع تلك الحكومات فشلت فشلا ذريعا في أثبات وجود تنظيم طوراني في صفوف تركمان العراق لسبب بسيط جدا هو عدم وجود مثل هذا التنظيم أساسا في صفوف المجتمع التركماني. أما سبب كره الأستعمار البريطاني للشعوب (الطورانية) أي التراك والتركمان والمغول والتتار وغيرهم ... فهو أن هذه الشعوب تمتلك صفات عسكرية استثنائية ومقدرة على الحكم والأدارة الأنجاز مما هيأت لها الأستيلاء على القسم الأعظم من العالم بقيادة جنكيز خان وخلفاءه (1210 1260) ومن قبل السلاجقة والتركمان وأخيرا الأتراك العثمانيين الذين وطدوا حكمهم بأسم الأسلام زهاء ستة قرون في أرجاء واسعة من العالم . فتأريخ الأتراك تأريخ حافل بالعنفوان العسكري والسياسي على أرجاء واسعة من العالم مما حمـّل أعداءهم الى ضمر الحقد لهم الى الأبد والخشية من تكرار عودتهم الى مسرح العالم من جديد. ولما كان التركمان جزء من ذلك التأريخ المجيد فلابد للأستعمار والحكومات العراقية بضمنها الأحزاب والحركات القومية الأخرى في العراق أن تتأثر بهذه الأفكار العنصرية بغية محاربة التركمان وقمعـهم بشكل مستمر.

والسبب الرابع هو تواجدهم وتركزهم في كركوك الغنية بالبترول يعني حوزتهم على مراكز أقتصادية وتجارية لعصب الحياة في العراق أثار حفيظة الحكومات وتخوفهم من أن يمسكوا بزمام الأمور و يتحولوا الى قوة سياسية في مستقبل البلد. فكان لابد من تشتيتهم وبعثرتهم في أطراف العراق لكي يتفرقوا وتضعف قوتهم ويذوبوا في المجتمع العراقي ثم لا تقوم لهم قائمة.

ومما يثير أشمئزاز التركمان صدور بعض القرارات من قبل (مجلس قيادة الثورة) للنظام البائد بتشجيع العرب الزواج من نساء التركمان مقابل قطعة أرض سكنية في كركوك ومبالغ نقدية على شكل مكافئات تصل الى عشرة آلاف دينار (عندما كان الدينار العراقي يعادل 3.3$ دولار أمريكي)!! وكذلك قرارات خاصة بضرورة أستحصال موافقة الأستخبارات العسكرية عند زواج الضابط التركماني (المطـّوع فقط ثم شمل الأحتياط فيما بعد) من تركمانية وبعكسه فأن القرار يتضمن المحاكمات الخاصة وعقوبة السجن للضابط وطرده من الخدمة العسكرية. وكاتب هذه المقالة كاد أن يقع ضحية القرار العنصري المجحف هذا والوقوع في المصيدة أثناء أجراءات التسجيل في السجلات الخاصة عند المحكمة الشرعية في كركوك في تموز 1983 حيث كان التركيز على فقرة القومية وضرورة أستحصال الموافقات ألستخباراتية المطلوبة قبل المثول أمام القاضي لولا أخراجي لهويتي المدنية وأنكار هويتي العسكرية أمام القاضي!!!

ومن الجدير بالذكر أن تزواج التركمان (من كلا الجنسين) مع القوميتين (العربية والكردية) كان ومازال سببا قويا في تناقص نفوس التركمان في العراق بشكل مستمر وذلك بسبب تسـّلط القومية العربية على أعتبار العراق بلد عربي واللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلد وبالنتيجة طغيانها على القومية التركمانية. والحالة هذه تتخذ شكلا مشابها مع الأكراد حيث الأعتزاز العالي للأكراد بقوميتهم وبلغتهم الكردية مما ينهي المطاف بهذا الزواج أن يكون الأطفال أما عربا أو كردا ويختفي التركمان أختفاءا كاملا حتى في السجلات الرسمية نتيجة ذوبانهم بهما كذوبان السكر في الماء الحار. ولما كان تعريف معنى القومية أنها "الشعور بالأنتماء الى قوم يتكلمون لغة ما" فالنتيجة كانت لصالح العرب والأكراد حيث مصالحما الواضحة في كلا الحالتين وللأسباب أعلاه.

والأجراءات التعسفية اللا أنسانية الخاصة في نقل العوائل التركمانية الى بغداد والمحافظات الجنوبية والرمادي يعتبر سببا آخرا في ضياع التركمان وأنخفاض نفوسهم الى أدنى المستويات. فقد عايشت شخصيا بعض العوائل والأسر التركمانية النقية والمعروفة أبا عن جد في كركوك ...فبعد هجرتهم الى بغداد ولد لهم أبناء لا يتكلمون التركمانية نهائيا. وعندما تسألهم ما قوميتك؟ فيردون بأنها عربية!! ولا غرابة في ذلك فأن البيئة والمجتمع الذي ينشأ فيهما الأطفال تؤثران على طبيعة تكوين شخصية الطفل حيث تعتبر اللغة جزءا منها. هذا ناهيكم عن أستحالة الأنتقال المعاكس للتركمان من بغداد الى كركوك الاّ بموافقات خاصة من قبل القيادة!!

وفي أيام الدراسة الجامعية في بغداد ... في بدايات السبعينات كنا نحن شباب التركمان تحت المراقبة المستمرة من قبل طلبة الأتحاد الوطني وكانت الأعين تراقبنا حتى عند جلوسنا في النادي وقت الغداء أو في جلسات عادية عند اللقاء مع بعض زملاءنا الآخرين. والمراقبة كانت تشـتد عندما نطيل الجلوس معا( وكأنـنا مجتمعون للتخطيط في أنقلاب ضد الحكومة!) وكانت المضايقات والأنتقادات العنصرية اللاذعة جاهزة من قبل زملاءنا العرب عندما نتكلم باللغة التركمانية فيما بيننا حيث كانوا يعلقـّون مباشرة: "ها شباب... بدأت العنصريات؟!". وكانت الغاية واضحة لسياسة حزب البعث في العراق حيث النطق باللغة التركمانية بالنسبة لهؤلاء كان جريمة نتهم عليها، و كانت بالنتيجة محاولات شخصية موجهة لزرع عقدة "التركمانية" في نفوسنا بغية التخلص منها... هذا ناهيك عن ملىء أستملرات الجرد المستمرة والتأكيدات على حقل القومية وجعلها عقدة مستديمة فينا. ومن مساوىء القدر أن بعض الشباب من الذين تعرضـّوا الى الأنتقادات العنصرية المستمرة أما أنزووا بعيدين عن الآخرين أو لجأ الآخرون الى التجاهل أو التنكر لقوميته والتنصـّل عنها وأعتبرها عقدة يجب التخلص منها!!. أما الذين قاوموها وصبروا على هذه الأنتقادات والمحاربات والمضايقات فقد كانوا تحت المراقبة والمحاولات المستمرة من قبل الطلبة الحزبيين حتى أعلان الولاء للحزب على الأقل!

ومن مساوىء القدر أيضا أن الفكر العربي الذي أنتهجه حزب البعث العربي الأشتراكي كان ينص وعلى لسان مؤسسه ميشيل عفلق بـ"أن كل من نطق العربية فهو عربي!!". لذا وحسب هذه الفكرة فأن التركماني والكردي والكلدوأشوري أصبحوا (أوتوماتيكيا) عربا حالما تكلموا بالعربية في بلدهم!!

والواضح أن المفاهيم القومية (أية قومية كانت) المجردة من مبادىء الدين الحنيف أو البعيدة عنه تتحول الى مفاهيم عنصرية خبيثة بحتة ... وبالنتيجة تعتبر أفكارا علمانية صريحة وبالأخص عندما يدعي القومي بأنه أفضل من غيره من الأقوام الأخرى ويحاول السيطرة عليه لألغاءه . وهذه الممارسات والأفكار الخاطئة شجعـّها وغذّاهـا أعداء الأسلام من المستعمرين والماسونيين وتيقـّنوا مبكرا بأنها خير وسيلة لزرع الفتن العرقية والتمايز القومي العنصري وللأيقاع فيما بين العراقيين في أحقاد عنصرية وفي عداء وأقتتال وحروب لكي ينخر الواحد بأخيه بغية تفكيك الشعب العراقي مستقبلا... وهذا ما حصل فعلا فيما بعد.

و قد سجـل التأريخ مواقف مشينة لقيادي النظام البائد وأخص منهم كل من "علي حسن المجيد" و "عزت الدوري" و اللذان كان يؤكدان وفي مناسبات عديدة (أن التركمان يجب أن يمحوا من خارطة العراق في غضون خمسة وعشرين سنة!!!) وفعلا هكذا كانت سياسة الحزب والأجراءات التعسفية العنصرية التي مورست ضد التركمان حيث كانت جميعها تصب في هذا النهج اللا أنساني. فالمعروف عن الأنظمة الديكتاتورية أن الولاء للقيادة هو الروح بالنسبة للأنسان والمجتمع فبه يستمران في الحياة ومن دونه لا حياة لهما وفي هذه الأنظمة يتحول المجتمع الى مجتمع قطيعي!

والشبكة العنكبوتية (3) التي أنتهجها النظام من خلال الصراعات الداخلية الأثنية والقومية والمذهبية فيما بين أفراد الشعب الواحد وفـّرت للنظام بعض الأستقرار النسبي لكنه كان سببا في دمار البلد وهجرة العقول وهروب الكفاءات العلمية الى خارج الوطن.

فبعض العوائل التركمانية هاجرت الى تركيا هربا من جحيم التمايز العنصري بين أفراد البلد الواحد للعيش بأمان بعيدا عن المشاكل السياسية التي تفوق قدرتهم الذاتية. ومازالت هناك الآلاف المؤلفة من التركمان في مدن تركيا وعلى أمتداد أراضيها الواسعة يتطـّلعون للعودة الى بلدهم للعيش بأمان واستقـرار عندما يؤمـّنون على مستقبل أجيالهم القادمة من الضياع بين أمواج العنصريات البغيضة ومحاولات الطغيان من قبل الأعراق الأخرى الهاضمة لحقوقهم في بلدهم.

فالتركمان كانوا ومازالوا يعتـّزون بقوميتهم لكن بدون تعنصر، وهم كانوا ومازالوا أيضا جزء لا يتجزأ وعنصرا رئيسيا من العناصر المؤلفة للشعب العراقي، شاركوهم سـّرائهم وضرّائهم وأراقوا دمائهم في حروبه وحركاته الوطنية والتحررية ولكنهم لم يحصلوا على أعتراف لحد الآن ليتناسب مع نفوسهم العالية و التي يجب أن تظهر بعدالة في عملية الأحصاء القادمة، وأسهاماتهم الجليلة في حياة العراق السياسية والأجتماعية والعسكرية والثقافية. والتركمان يرفضون أيضا الوصاية من الآخرين ويرفضون كذلك عمليات الأنصهار تحت أية ذريعة كانت ويطالبون الضمائر الحية (أن كانت ماتزال فيها الحياة) بأنصافهم وضمان حقوقهم المشروعة ضمن البلد الواحد أن كان ساسة العراق الجدد يفهمون معنى الديمقراطية وحقوق الأنسان.

و للحديث تكملة....

المصادر:

1). زياد كوبرلو "كركوك ليست كردية" مقالة في مجلة الأخاء (ٌارداشلق) العدد17 يناير-مايس 2003م.

2). عزيز قادر صمانجي "التأريخ السياسي لتركمان العراق" دار الساقي لبنان 1999م.

3). دائرة حفظ وتوثيق تراث التركمان " الشهداء التركمان صفحات نت التأريخ السياسي المعاصر لتركمان العراق" 1979-1991م الجزء الأول ، دار الدليل للصحافة والنشر 1999م.

الرئيسية
المقالات
الاخبار
الادب
الوثائق
حول المنبر
اتصل بنا
اعلانات
إصدارات

المنبر التركماني غير مسؤول عن الآراء المكتوبة ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر

Turkmen Tribune
contact@turkmentribune.com