تركمان العراق |  قضية كركوك  |  حقوق الانسان  |  كتابات مختارة عربي | Türkçe 
-
التركمان.. عرقنة الماضي وتوحيد مستقبل العراق

زاهد البياتي كاتب وباحث في مركز باباكوركور للدراسات والبحوث

التركمان هذا الجزء المهم من الشعب العراقي الكثير الجماعات والفئات وقد لعب ابناؤه ادوارا مهمة في تاريخ العراق قبل وبعد استقلال البلاد ونشوء حياتها البرلمانية ولايزال للتركمان مكانتهم في حياة العراق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.

هكذا عبر الكاتب العراقي الراحل مير بصري عن التركمان في كتابه (اعلام التركمان) ولم يكن الاخير الذي ينصفهم والواقع يدل على ان الشعب العراقي عموما وبكل مكوناته قريب من التركمان وحسبهم يدركون بان هذا المكون المسالم (المدني) البعيد كل البعد عن العنف والاعمال المسلحة عبر تاريخه المعاصر يكاد يكون اقرب المكونات العراقية قابلية للذوبان في التعايش الاخوي واشدهم انصهارا في بودقة الهوية العراقية ولربما الاكثر تحمسا للتزاوج بين جميع الفئات والطوائف والقوميات شرط عدم الهيمنة والاقصاء من قبل فئة على اخرى وعلى اساس التعامل مع القضايا الوطنية المصيرية بمزيد من التعقل والحكمة والبصيرة ذلك لان من مصلحة كل ابناء الرافدين العودة الى احياء روح الوطنية العراقية واحياء الهوية العراقية حيث يتوق التركماني اليوم الى دولة عراقية تمثل المكونات العراقية على قدم المساواة وتحفظ ماله وعرضه وارضه وخصوصياته الى جانب اخيه العربي والكردي والكلدواشوري والشبكي والايزيدي والصابئي وغيرهم ليحارب تحت رايتها ويدافع عن حدودها ولكي ينفذ واجباته الوطنية بكل اخلاص وود ومحبة وتفان وعليه بقي التركماني لايهوى غير العراقية هوية ولا غير التراب العراقي تربة ومدفنا …

لعل للموقع الجغرافي الذي ينتشر فيه التركمان اهمية بالغة لما اشرنا اليه بدءا من ابناء تلعفر في محافظة الموصل شمالا من الذين امتزجت دماؤهم مع دماء اخوانهم العرب والمكونات الاخرى وتعايشوا جنبا الى جنب عبر القرون مما جعلهم يتأقلمون مع جيرانهم الامر الذي انعكس جليا على معظم ابناء تلعفر الذين يقرب عدد سكانهم من اربعمائة الف نسمة في ان يستعيروا لبس العقال العربي والكوفية فاصبح الزي عربيا واللسان تركمانيا عند بعض ابناء عشائر تلعفر وابناء المحلبية والرشيدية وصولا الى مدينة الموصل الحدباء التي تحتضن معظم المكونات العراقية بكل اعتزاز ومحبة منذ فجر التاريخ مرورا بطريق الحرير في اربيل حيث يلوذ التركمان بقلعتهاالتاريخية ويتحدثون باللغة الكردية والعربية مثل لغة الام فيما تداخلت الملابس والازياء وفقا للظروف الاجتماعية والجغرافية ولانستغرب عندما يصادفنا تركماني بزي كردي وعندما تنزل قليلا نحو التون كوبري (المعروفة بجسرها الحديدي وبمجزرة التركمان المعروفة باسمها في1991 التى راح ضحيتها مئات من شبابها على يد النظام الصدامي) تكتشف بان الزي التركماني يغلب على طابع البلدة وهكذا حتى نصل الى كركوك التى تعتبر مركزالمكون التركماني وقلب العراق النابض بالحب والعطاء ولانود هنا ان نثبت تركمانية كركوك او غيرها لان الاراء قد تكون مختلفة ومتشعبة بقدر ما نود ان نثبت مدى تقبل التركمان وترحيبهم بالمكونات العراقية الاخرى ومدى تعايشهم وانسجامهم وتقبلهم لتحول مدينتهم الام الى عراق مصغر ومدى قابليتهم على قبول الاخر حتى لو جاء البعض منهم قسرا و ضمن ظروف سياسية خاصة حتمتها سياسات النظام الشوفيني السابق ناهيك عن التاخي الاسلامي - المسيحي التاريخي في منطقة القلعة الاثرية حتى لا تكاد تفرق بين التركماني المسلم او المسيحي والامر ذاته ينطبق على منطقة عرفة الحديثة ويمكن وصف هذا التعايش الادياني في اروع صورة في وقت تعايش فيه السني والشيعي جنبا الى جنب دون ان يشهد تاريخ كركوك أي اقتتال طائفي يذكر فالسنة كانوا يزحفون نحو محلة تسين الشيعية (التي تعرضت الى تهجيرقسري لسكانها وهدم بيوتها على يد النظام السابق) ايام شهر محرم ليشاركوا اخوانهم الشيعة مراسيم احياء ثورة الحسين (ع) مثلا ... اما اللغة فلم تكن عائقا فمعظم اصحاب المحال والمصالح كانوا يتحدثون اللغة العربية كلغة الام بطلاقة عدا ما كانت تستقبله المدينة يوميا من مئات العمال والكسبة ومن مختلف المناطق والقوميات والاطياف الذين كانوا يقصدونها من اجل كسب العيش وطلب العلم والتجارة وغيرها وبقيت كركوك عبر سنين طوال.. ذلك الحضن الدافئ والصدرالرحب لكل المكونات العراقية على صعيد الفرد والمجتمع وقد شهدت في تا ريخها الحديث محاولات وتطرف قوى سياسية وخاصة النظام السابق الاستحواذ على المدينة بالقوة والاعمال التعسفية من قتل وتهجير قسري وتوطين وغيرها دون ان تصل الى اهدافها فكانت تجربة سيئة لنظام أسوأ ويرى الكثير من العقلاء والمؤرخين ان كل تجربة مماثلة سيكون مصيرها كسابقتها الفشل الذريع ويعتقد ايضا بان كركوك هبة الله ليس للتركمان اوللعرب او للاكراد اوللكلدواشوريين من اهل العراق فقط وانما للانسانية جمعاء حتى لو كانت مقابل ثمن لان زيتها ينير العالم ويدير عجلة الحياة الانسانية في العالم فيها، اذن مسؤولية الحفاظ عليها يتجاوز اهل المدينة وكذلك اهل العراق الى المسؤولية الاممية ولايراد لها الا ان تكون كركوك مدينة للتآّخي والتسامح والتعايش والبركة الالهية.. وقد منّ الله تعالى بها على العراقيين كبقرة حلوب اذ بامكانها ان تغذي مستقبل كل اجيال العراق و خزينها الاستراتيجي لوحده يمكن ان يصل بمستوى العيش لكل عراقي اينما كان الى المستوى الياباني او الاوربي واكثر .

كركوك قلب العراق

ـ ظلت كركوك دائما، بعد بغداد، المدينة العراقية الاكثر تعبيرا وتمثيلا للتنوع الاقوامي والديني والمذهبي للمجتمع العراقي. اقوامها فيها التركمان والاكراد والعرب والسريان. دينيا فيها المسلمون والمسيحيون، ومذهبيا فيها السنة والشيعة الجعفرية والكاكائية وغيرهم.. انها حقا التعبير المركز للتنوع العراقي..

ـ ان كركوك ايضا تعبير مكثف لغنى العراق وخصوبته (النفطية)، حيث تختزن حوالي (60%) من النفط العراقي، بالتالي فأن معاناتها والاطماع التي تتعرض لها، موجهة في الحقيقة ضد ثروات العراق ومورده الحيوي وسنده المادي الاساسي). ثم نتجه جنوبا من كركوك قاصدين طريق الحرير للذهاب الى الديار التركمانية الاخرى وعلى مسافة قريبة نصل ناحية تازة خورماتو القصبة الخضراء ببساتينها وحقولها وسواقيها التى تجاور(بشير) القرية الكبيرة التي جاهدت وضحت باكثر من مئتي شهيد وهجر اهلها عن بكرة ابيهم نكتشف زي الجراوية والياشماغ طاغيا على ملابسهم. وعندما نسلك طريق كركوك - بغداد مرورا بداقوق ومنارتها التاريخية التي يعود بناؤها الى ما قبل الميلاد وانعطافا الى مرقد ومزار الامام زين العابدين الذي يرقد على تلة شامخة غرب نهر الخاصة.. الازياء والعادات الشعبية متشابهة وتقترب من الازياء العربية تارة ومن الازياء الكردية تارة اخرى واما اللغة المستخدمة فهي التركمانية وهناك من يتقن العربية والكردية ايضا بحكم الانسجام والتواصل وعندما تعبر جسر داقوق المعروف باطول جسر في العراق تتبين امامك ملامح مدينة طوز خورماتو الغافية في ظل جبل علي المرتضى ع (مرسى علي) ويعني ترجمة معانيها التركمانية المقطع الاول منها يعني مدينة الملح ( نسبة الى الملح الطبيعي الذي يستخرج من مملحتها شرق المدينة) والمقطع الثاني يعني بساتين النخيل التي تتميز بها المدينة وكانها خلقت لتكون منطقة تركمانية وسطى بين الاخوة العرب غربا والاخوة الاكراد شرقا بعد ان طوعوا الطين كاجدادهم السومريين وحولوها الى اواني وتحف وقطع فنية وخزف وفخاريات تدل على الفن والذوق الرفيعين منذ فجر التاريخ ليستمر التواصل و الانسجام والاندماج والتعايش في عشرات القرى والارياف التابعة لهذا القضاء وعلى امتداد مناطق عشائر البيات المعروفة وتكاد ان تصبح هذه العشيرة انموذجا للتعايش العرقي والطائفي ولانذيع سرا اذا قلنا بان هذه العشيرة تضم العربي والتركماني الشيعي والسني وهذه ميزة تحسب لها و قد تنفرد بها وتفتخر بتنوعها الطائفي والعرقي مثلما تفخر بخلو تاريخها من الاحتراب الداخلي برغم هذا التنوع... وعندما تتوجه الى مدينة كفري جنوبا تكون الديار التركمانية قد اقتربت وتداخلت مع مناطق الاخوة الاكراد حيث يمارس التركمان حياتهم محافظين على عاداتهم وتقاليدهم فيما تتقارب وتختلط مع الاخوة العرب عند نزولك الى ناحية قره تبه وقراها التي تسند راسها على حقول الامام ابراهيم السمين بن الامام موسى الكاظم (ع).. وهكذا يتوسط التركمان المناطق العربية والكردية في جلولاء والسعدية (قزلر باط) والمقدادية وخانقين والعزيزبة وزرباطية وبدرة.. والواقع انهم يعيشون ويتعايشون مع المكونات الاخرى بمزيد من المحبة والصبر وقبول الاخر رغم ظروف الحروب والحصار والاحتلال وتداعياتها ورغم كل الجرائم والسياسات الخاطئة التي ارتكبت يحقهم .

يقول المفكر العراقي جمعة عبد مطلك :-(بغض النظر عن الخلافات التي تدعي التسابق على عائدية هذه الارض قدم التركمان نموذجا حيا للتفاعل والترابط غير المستوحى من وهم التاريخ والاسبقية التاريخيةوهم يتوزعون بغير تناشز وبغير احتراب بين الطوائف والاعراق والمكونات فنجد تركمانيا سنيا او شيعيا يتوسط الاكراد والعرب ويندغم انسانيا في الاثنين معا ويبدع في اللغة العربية وادابها ولا تشعر معه في الحديث باي تصعيد او استعلاء فوق انساني وعلى ذلك شكل التركمان في العراق واحد من ابلغ الادلة على وحدة المكونات العراقية وانصهارهم تحت سقف العرقنة الطامحة الان (مواطنية ودولتية) فهم الاكثر جدارة في تحمل وهضم ووصل تقاطعات التاريخ والجغرافية والاعراق).

( حوار الثقافة التركمانية مع الثقافات الاثنية في سبيل ثقافة الهوية العراقية )

ان جهود بعض المثقفين في التعريف بالثقافة التركمانية العراقية ، باعتبارها جزءا هاماً من موزائيك الثقافات الأثنية في العراق ، تبقى بحاجة إلى التواصل ، خاصة ؛وأنها تهدف في نهاية الأمر إلى تعزيز الانتماء للهوية العراقية الوطنية، وإلى اعتبار منجزات هذه الثقافة رافداً من روافد الثقافة العراقية المعاصرة . قدمت الحضارة العراقية على مر العصور ، الكثير من المبدعين والنوابغ في مختلف المجالات الفكرية والثقافية. ويكمن سر هذه الديمومة الإبداعية في التنوع الثقافي العجيب الذي ظلت تستقبله أرض الرافدين، وتذيبه في مياه نهريها الخالدين. ومن هذه الينابيع التي لا تزال تنساب، وتسقي حتى الثقافات التي خارج العراق، هي الثقافة التركمانية التي للأسف لم تأخذ حظها من التعريف والتحليل الذي تستحقه من المثقفين العراقيين و العرب . علماً أن تركمان العراق يعتبرون من طليعة و مؤسسي الأدب الناطق بالتركية منذ منتصف القرن الرابع عشر .

منذ ذلك التاريخ يواصل تركمان العراق عطاءهم الثر في جميع المجالات الثقافية والأدبية،لتأسيس ثقافة إنسانية معاصرة وأصيلة قائمة على تراثهم الشعري والثقافي الموروث والمتواصل منذ قرون عديدة على هدى أسلافهم الذين خدموا الثقافة والأدب والفكر الإنساني.

إلا أن ما يدعو إلى الأسف حقاً هو عدم إيصال مساهماتهم في الفكر والثقافة على مر العصور إلى المثقف العراقي خاصة والمثقف العربي عامة بالشكل المطلوب، رغم كونهم جزءاً لا يتجزأ من تاريخ العراق وشعبه .إن خصوصية الروح العراقية جعلت الأدب التركماني يتميز ، ويبرز في جميع البلدان والمناطق الناطقة بالتركية في أواسط آسيا وتركية وأذربيجان والبلقان . حيث قدم تركمان العراق لهذه المناطق الناطقة بالتركية اثنين من أهم وأبرز شعرائهم هما: سيد عماد الدين نسيمي ( 1370 ـ 1417 )، و فضولي البغدادي ( 1494 ـ 1556).

ومثلما لاداب القوميات المتاخية العربية والكردية والكلدوآشورية في العراق جذور تاريخية موغلة في القدم وتراثها الثقافي الذي تستقي نتاجاتها المعاصرة منه روح الاصالة والابداع كذلك لشقيقهم الادب التركماني العراقي تاريخ عريق زاخر بالنتاجات والاثار القيمة وفي شتى حقول الادب كالملاحم الشعرية مثل ملحمة اصلي وكرم وملحمة كور اوغلو وملحمة شيرين وفرهاد والقصص والاساطير والحكايات التركمانية التي عالجت العديد من القضايا التي كانت تشغل فكر الانسان وتستحوذ على حياته في تلك العهود وان هذه الاثار الخالدة لم تنل حظها من الدراسات الحديثة او الترجمة الى اللغات الاخرى.

الى جانب كل ذلك يقف الشعر التركماني شامخا بثقله التراثي الموغل في القدم وبمكانته الاجتماعية المقدسة التي حققها نتيجة تحسس شعراء هذا الفن الاصيل وظيفتهم ومسؤوليتهم الاجتماعية والادبية الى جانب استيعابهم بدقة وعمق وصدق تفصيلات الحياة والعلاقات الانسانية التي عبرت عنها رباعياتهم الشعرية الشعبية المسماة بـ " الخويرات " التي يمتد تاريخها الى آلاف السنين والتي كان التركمان الرحل يتغنون بها ويخلدون فيها امجادهم ومناسباتهم العديدة ، كما ان تاريخ الشعر التركماني يحفل باسماء العديد من الشعراء التركمان العمالقة امثال فضولي البغدادي (محمد فضولي بياتلي)، وعماد الدين نسيمي (حلاج الشعر التركماني) وروحي البغدادي ونوائي وعشرة اجزاء من كتاب شعراء كركوك تحمل اسماء المئات منهم، والتي جعلت للشعر حضورا فعالا ومؤثرا في حياة الفرد والمجتمع التركماني من جهة ومكانة متميزة وثقلا واضحا في الادب التركماني من جهة ثانية مما جعل هذا الجنس الادبي يطغى بعطائه على الاجناس الادبية الاخرى لحقبة غير قصيرة من الزمن).

فضولي البغدادي من الثقافة الاثنية الى تمثيل ثقافة الهوية العراقية

كان الابداع الادبي والثقافي للتركمان لايحمل الهوية الاثنية الضيقة بقدرما يحمل من سمات الهوية العراقية... هنا نحاول ان نسلط الضوء على فضولي البغدادي على سبيل المثال لا الحصر :

لعل من اهم معطيات الثقافة التركمانية في بلاد الرافدين هو الشاعر محمد بن سليمان البياتي الملقب بفضولي البغدادي (1494-1556) ليس لعبقريته في الشعر والنثر باللغات الشرقية الكبرى العربية والتركية والفارسية ليكون اكبر ادباء القرن العاشرالهجري واعظم شعرائه في العراق والافاق فحسب (كما يقول العلامة حسين علي محفوظ) ولا لكونه عالم زمانه في الهندسة والطب والفلك والرياضيات ولا لكونه فيلسوفا بارعا في المنطق والحكمة والفلسفات اليونانية و الشرقية... بل في كونه من ابرز صناع الثقافة الوطنية ذات الهوية العراقية ومن امتن جسورهاالادبية والابداعية نحو الشعوب الاخرى ولربما عبقريته تكمن في كيفية تغلغلهالصناعات الحضاري واختراقه للمسافات والافاق والحدود الدولية دون جواز سفر لا بل دون ان يغادر العراق كما يؤكد في احدى مؤلفاته (ان مولدي كان عراق العرب ولم اغادره في حياتي الى أي بلد اخر) فقط ابداعه كان السفيرالثقافي للعراق بين الشعوب والاقوام المختلفة ( الشعوب الناطقة بالعربية والتركية والفارسية ) ولكي تستقر اشعاره في وجدان ولب الانسان في امكنة اخرى . فضولي استطاع ان يعولم ثقافتنا الانسانية بين بني البشر ليكتسب هويات امم اخرى دون ان يقف على ابواب السفارات او القنصليات فكان بحق مبدع عراقي متعدد الجنسيات فالاتراك يعتبرونه (امير الشعر التركي) ويعتزون به ويحتفلون بذكراه ويعيدون طباعة اثاره ويشجعون اعداد البحوث والدراسات ورسائل الدراسات العليا عن ابداعه بينما يعتبره الايرانيون بمنزلة الرودكي في الادب الفارسي وعلم من اعلام الادب الفارسي في القرن العاشر وينسبونه اليهم . اما الاذربيجانيون فهم اشد حبا واهتماما بفضولي حيث يؤكد البروفسور عباس زمانوف مدير متحف باكو: (من حقنا ان نعتبر فضولي اذريا مثلما يعتبره العراقيون عراقيا لاننا لانتصور الشعب الاذربيجاني بدونه) والبرفيسور غضنفر باساييف يذكر: (ان بلاد الرافدين اقرب بلد عربي الى شعبنا لاكثر من سبب اهمها الجسر الثقافي المشترك المتمثل بفضولي البغدادي الذي نعتز بزيارة ضريحه في كربلاء) واما ما تقوم به المؤسسات العلمية والثقافية الاذرية لفضولي فحدث ولا حرج.. حري بنا ان نحتفي بهذا الرمز الثقافي اذن ولنعيد قراءة ارثه الثر علنا نتعلم كيف نسوق ابداعنا ولنستثمر معا حضوره الفاعل لدى الاخر ولنسلك طريقه المشع ولنعبر جسوره التي شيدها مع الشعوب الصديقة لخدمة امتنا العراقية الحبيبة ما احوجنا الى علاقات دولية سليمة في وقت يحاول فيه الارهاب والاعداء تدمير امن وتراث وحضارة بلاد ما بين النهرين).

دور المثقف التركماني وسبل التواصل مع المكونات الاخرى في سبيل بناء ثقافة الهوية العراقية

المثقف الواعي الملتزم بقضايا أمته وشجون وطنه لابد أن يكون مرجعاً أميناً للسياسي فيكون السياسي تابعاً للمثقف وليس العكس.. ولكن الواقع العراقي عامة وواقع المشهد الثقافي التركماني لا يدل على ذلك وعادة يكون المثقف مهمشاً ومهملاً أو يراد له أن يكون ذليلاً منصاعاً للسياسي يطبل ويزمر ويمدح ويتزلف ويمكن القول هنا بأن الدول الغربية المتقدمة والولايات المتحدة الأميركية واليابان قد تطورت بفعل خضوع السياسي إلى منطق العقل والفكر أي للمثقف ! وبات واضحاً بأن الحكومات المتقدمة لا تتخذ قراراً ستراتيجياً إلا بعد إستشارة حكمائها ومفكريها أو الاعتماد على مراكز البحوث والدراسات فيها.

من هنا يتحمل المثقفون التركمان مسؤولياتهم في هذه المرحلة المهمة من تاريخ العراق. بعد الخلاص من ثلاثة عقود مظلمة من الحكم الشوفيني العنصري الذي كان يطحن فيها التركمان في طواحين الديكتاتورية وتذوب ديارهم كما يذوب الملح في الماء أثر قوانين البعث الفاشية عندما كانوا هدفاً سهلاً بل المنطقة الرخوة في الجسد العراقي والتي كان سيف النظام فيها حاداً يقطع أوصال الديار والأراضي التركمانية ويمسح قرى بكاملها كتركلان، يايجي، بشير وتسعين، ويتجرأ على ذبح أبنائهم على مرأى ومسمح الدول الإقليمية الشقيقة والصديقة حالها حال الدول العربية والدول العظمى والدول الأخرى.. ولم تحرك تلك الدول ساكناً ولم تستخدم أي نوع من الضغط السياسي أو الاقتصادي أو الإقليمي ولم تحاول منع الانتهاكات ضد التركمان بالرغم من أنها كانت من نوع التطهير العرقي والطائفي وخروقات ضد الإنسانية التي تدينها لائحة حقوق الإنسان وترفضها مبادئ الإسلام الحنيف.. والأنكى من ذلك هو خضوع بعض فئات التركمان إلى الاضطهاد العرقي تارة وإلى الاضطهاد الطائفي البغيض تارة اخرى و(من لم يمت بالسيف مات بغيره).

نستطيع ان نزعم بأن التركمان يحملون بشرف كل شروط المواطنة فرغم تعرضهم لكل أنواع الظلم والقهروالتهجيرلم يواجهوا تلك الحكومات بالأعمال المسلحة ثم أنهم لم يشتركوا بأي شكل من الأشكال وفي كل الظروف التي مرت على العراق بأي نوع من أنواع التخريب الاقتصادي أو أعمال الحواسم أو سرقة ثروات الشعب اونهب آثار العراق بالرغم من انهم عانوا من العزلة والفقر والعوزعبر تأريخهمً الحديث ومنذ سقوط الإمبراطورية العثمانية كانوا قد تعرضوا إلى التهميش وبعد مرحلة الدخول البريطاني المحتل إلى العراق وتأسيس الدولة العراقية ازدادت عملية التهميش لتبدأ مرحلة جديدة من التهميش والاضطهاد من قبل كل الحكومات التي مارست الحكم عندما تعاملوا مع التركمان ليس كجزء مكون للهوية العراقية بل كبقايا للدولة العثمانية وهم ليسوا من أحفاد العثمانيين بالرغم من تفاخرهم بانتمائهم القومي ولكن التركمان قد استوطنوا ارض الرافدين منذمئات السنين ويذهب بعض الباحثين المحدثين الى ان التركمان هم اسلاف السومريين في العراق.. والشارع العربي ليس بعيدا عن تلك النظرة، فكلما كان البريطانيون يؤججون الشارع العربي ضد الدولة العثمانية كان التركمان يدفعون فاتورة الحساب الى البريطاني المحتل او الى الاخ المتشدد أو إلى الآخر المتربص وأكثر ضحايا هذا التهميش كانوا من النخب المثقفة والكفاءات العلمية والفئات المتعلمة من جراء تداعيات سقوط الدولة العثمانية التي انعكست سلباً على النخب المثقفة العراقية التركمانية بشكل مباشر وغير مباشر ولو راجعنا تاريخ الوزارات العراقية منذ ذلك الحين لاكتشفنا مدى غياب أبناء القومية الثالثة في العراق عن استحقاقاتهم الإنسانية والوطنية والقومية في وقت كان أبناء التركمان في الصف الأول لأداء المهمات والأدوار الوطنية والمواقف التاريخية طيلة العقود الثمانية الماضية إلا أنهم دفعوا الثمن غالياً عندما واجهوا الاحتلال البريطاني بصدورهم فكانت تلعفرنقطة انطلاق ثورة العشرين المجيدة ثم انتفاضة گاور باغي في كركوك (1946) ضد البريطانيين ناهيك عن موقف التركمان الفريد في رفضهم التوقيع والولاء لتنصيب الملك فيصل الأول..

ونجزم بأن قوى الاحتلال البريطاني كانت قد أسست لسلب مستحقات المواطنة من التركمان الى جانب مكونات وطوائف أخرى من أطياف الشعب العراقي ليفرز عبر عقود من الزمن غياباً في النتاج الفكري والستراتيجي حول رسم مستقبل هذا الطيف الذي لا يخفق قلبه إلا بحب العراق ووحدة العراق ولا يموت إلا من أجل العراق. والتركمان بصورة عامة يفخرون بأن لديهم عددا كبيرا من المثقفين والمتعلمين وفي مختلف الاختصاصات العلمية والأكاديمية والثقافية إلا أن هناك تشتتاً وتشرذماً واضحاً في المشهد التركماني بسبب إرث التراكمات الاجتماعية والنفسية التي خلفتها السياسات العنصرية للنظام الشمولي على شخصية التركماني فمجرد كونك تركمانيا كان يعني أنك متهم أو عميل أو متخاذل أو غيرها من المصطلحات المقيتة من ثقافة الخوف والرعب والإجرام.

على المثقف التركماني اذن تقع مسؤولية التغيير الاجتماعي والثقافي وحتى السياسي وإخراج هذا الإنسان من دوامة الخوف والتردد والمسؤولية ليست سهلة البتة ولكن دائماً هناك نور في نهاية النفق ودائماً هناك بصيص أمل في الحياة وعزاؤهم في الخروج من هذه الأزمة النفسية هو حب العراق والعراقيين بكل أطيافهم... فيهم ومنهم يستمدون قوتهم وأرادتهم وهم على ثقة بأن أخوانهم العراقيين سوف يقفون معهم في خندقٍ واحد وفي صفٍ واحد وفي بيتٍ واحد أسمه العــراق، وأمة واحدة أسمها الأمة العراقية.

(ويرى المواطنون التركمان الذين عاشوا جنبا الى جنب مواطنيهم من المكونات الاخرى بصفاء ووئام ان العراق له خصوصياته الواضحة وان المواطنين التركمان لايستطيعون انكار تواصلهم مع الثقافة العربية في العراق والوطن العربي ويرون ان ذلك كان وسيلة اغناء فكري لثقافتهم وشخصيتهم القومية فقد تاثروا بالادب العربي والثقافة العربية كما اثروافي الثقافة العربية بروافد غنية وينطبق الامرنفسه على الاكراد فقد تاثروا واثروا بالثقافة العربية واصبح النسيج القومي الحضاري المتميز الذي احتضنه العراقي امرا متميزا له خصوصيته وارهاصاته).

ونرى بان من اهم الواجبات التى تقع اليوم على عاتق المثقف العراقي الاصيل هو التواصل واحترام ثقافة الاخر والترفع عن النظرة الدونية للمكونات العراقية ومحاولة الغور في اعماق هذه الثقافات لاكتشاف جوهر الابداع العراقي الكامن فيه ومدى الاصالة التى تتسم بها طالما نابعة من ارض الرافدين ونرى بان من حق المكونات عامة والمكون التركماني خاصة الذي انجب نسيمى وفضولي ومصطفى جواد وحسن كوره م وعطا ترزي وسنان سعيد وبندر اوغلو والداقوقي والدوغرامجي ونسرين اربيل وصلاح نورس ونصرت مردان وعزت خطاط وعلي معروف والهرمزي وغيرهم... على الدولة احتضانهم واسنادهم ودعمهم واتباع العدالة في معيار الاهتمام الوطني ومستحقات الهوية العراقية على اساس البذل والعطاء والتضحية وعدم التمييز بين الرعية فكلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته في المعيار الروحي والاسلامي.. وقد استبشر التركمان خيرا بعد سقوط النظام السابق الذي كان يضم مديرية للثقافة التركمانية ولكننا صدمنا عند اكتشافنا مصادرة ملاكات المديرية المذكورة وذهابها الى الغير!! نامل من دولتنا الجديدة ان لا تتبع سياسة التهميش والتهشيم بحق المكون الثالث الاصيل للهوية العراقية فان ماجرى عليهم كثير وكبير ومفجع.. والى متى!؟.

الرئيسية
المقالات
الاخبار
الادب
الوثائق
حول المنبر
اتصل بنا
اعلانات
إصدارات

المنبر التركماني غير مسؤول عن الآراء المكتوبة ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر

Turkmen Tribune
contact@turkmentribune.com