تركمان العراق |  قضية كركوك  |  حقوق الانسان  |  كتابات مختارة عربي | Türkçe 
-
أصل ومنشأ أتراك العراق _ باصلوخان

للمؤرخ التركي حسام الدين آماسيلي

باصلوخان أمير تركي، تشرف بالدين الإسلامي في زمن خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فحاز على مكان رفيع وأصبح من التابعين، وكان له دور كبير في قبول أتراك العراق للإسلام، فمن هو باصلوخان ؟ والى أية قبيلة يتصل نسبه ؟ سأتناول هذا الموضوع ونصب عيني ان خير خدمة وأصلح عمل هو خدمة الدين الإسلامي وشعبي التركي والتعريف برجالاتهم ومشاهيريهم.

ترجمة: نظام عزالدين محمد، استانبول ٢۰۰١

معلوم ان العراق كان بلدا يسكنه الأتراك قبل البعثة النبوية بزمن طويل حيث تم تأسيس الحضارة ولأول مرة من قبل قدماء الأتراك ( سامري )[١] وهم منسوبون لسامور خاقان من سلالة آلتاي التركية.

ونستنبط مما كتبه ياقوت الحموي في كتاب معجم البلدان بأن الأتراك كانوا متواجدين في المدينة المسماة "سامرا" والواقعة في ولاية بغداد، وكان يحكمهم حاكم تركي بأسم "ايغراق بن بارس بن سامور خان" حيث تم تحويل اسمه الى الفارسية “ايراه" ومن تم تعريب الإسم ليصبح "عراق".

هذا ويرى المؤرخون العرب بأن النبطيين[٢] والذي كانوا حاكمين في خوزستان “وجنوب العراق" هم قوم ينتسبون الى التورانية وانهم كانوا خلفا للسامريين وذلك استنادا على الآثار التي بقيت من وراءهم.

ولقد بقي الأتراك العنصر المؤثر والحامي للدولة الساسانية[٣] التي حكمت العراق وكانت زبدة قواتها متشكلة منهم حيث وصل بعض الأتراك الى مراتب جليلة منهم بادقلى “بهرام جوبين" و “سهراز" وكما "إن الوزير الأكبر والمسئول المالي للملك يزدجرد والمسمى" "بجير خان" بن بودا خان كان تركيا، لذا فإن باصلوخان كذلك كان من خواص قواد يزد جرد.

وهذا الأمر نراه ايضا في زمن الدولة العباسية حيث إن خواص قوات الخلافة العباسية كانت تتشكل منهم، فبقدر شهرة “الأتراك العباسيون" [٤] كان اصطلاح "أتراك الساسانية" في العراق والتي كانت تحت سيطرة الدولة الساسانية مشهورة ومعلومة في التاريخ.

إن الأتراك كانوا مشهورين منذ القدم بأنهم أمة عسكرية تتميز بالشجاعة والعزم والإدارة الجيدة أي انهم كانوا وحسب الإصطلاح القديم ساربودون "أي نظام عسكرية العشيرة" ولهذا فقد خدموا عسكريا الدولتين الإيرانية والصينية وبعد ذلك خدموا العباسيين وقد شكلوا دولا كثيرة .

وعندما بزغ نور الإسلام كان في العراق عشائر وإمارات تركية كثيرة وأشهرهم عشيرتين كانت تسكنان شاطئ الفرات، الأولى “باتوقلى “وكانت تسكن في “بادقل "والثانية "بانوقلى“ وكانت تسكن في"بانقيا".

يقول ياقوت الحموي في كتابه "معجم البلدان" بكسر النون ناحية من نواحي الكوفة ذكرها في الفتوح وفي أخبار ابراهيم الخليل ( عليه السلام )[٥].. "وقد ذكرت بانقيا في معاهدة سيدنا خالد بن الوليد بانها على شاطئ الفرات.

وكان على بانقيا أمير تركي يدعى بصبهرى [٦] أو “بوز بوغرى بالتركية “وكلمة بصبهرى معرب لكلمة “بوز بوغرى “التركية وان باصلوخان كان ابنا لرئيس عشيرة بانقلى المدعو بصبهرى لذا فانه ليس هناك أدنى شك كون الخان المشهور باسم باصلوخان هو تركي ابن تركي .

جاء في قاموس اللغات لسليمان افندى بان كلمة "بوز بوغرى" تعني في التركية القديمة التيس وكان الأتراك القدامى يطلقون عليه “بوس بوغرى “وتم تعريب هذه الكلمة من قبل العرب لتصبح "بصبهرى".

لقد كان بصبهرى شخصا شهما وواليا عاقلا، وبما أنه كان تركيا ترعرع على الحرية والإستقلال لذلك فانه لما قدم الجيش الإسلامي لفتح العراق أخذته العزة بالنفس وغلى في نفسه الإحساس القومي وخصوصا بعد تعرض ممتلكاته لغارات العرب الفاتحين ومن ناحية اخرى كان يتعرض باستمرار لانتقادات كبير وزراء ايران المدعو بجير خان لذلك فانه التجأ الى السلاح والدفاع عن بانقيا .

وقد أدت مقاومته الى ايقاض روح المقاومة لدى الأعاجم الموجودين في حوالي نهر الفرات وتزامن معه قيام مهران ابن مهرام جوبين[٧] في حوالي بادقلى مع الأتراك الموجودين في تلك النواحي حيث خلقوا بعض المتاعب للمجاهدين المسلمين.

لذا فان ما أثاره بصبهرى من اختلال فشا الى كل الأطراف واستعظم الأمر الى درجة اثار انتباه القائد المسلم خالد بن الوليد فقام من مقره في الحيرة وسار باتجاه بانقيا حيث وصلها ليلا فدخل في القتال معهم الى الصباح. وقد تجمعت تحت قيادة بصبهرى قوات كبيرة اثر توليه زعامة المقاومة في بانقيا وفي هذه الواقعة واثر الهجمات القوية الي قام بها فارس الإسلام "ضرار بن الأزور الأسدي" وقع بصبهرى قتيلا وأما المهاجمين المسلمين فقد أصابهم العي والتعب بعد المقاومة المستميتة التي لاقوها في بانقيا وفي هذا الصدد أنشد ضرار بن الأزور الأسدي أبياتا من الشعر واصفا تلك الموقعة حيث يقول:

أرقت ببانقيا، ومن يلق مثل لقيت ببانقيا من الحرب يأرق

يقول ابن كثير: انه بمقتل بصبهرى فان ابنه (صلوبا) حل محله وفهم ابنه ان المقاومة امام جند الإسلام غير مجدية فابتدأ بطلب الصلح من خالد بن الوليد.

كان صلوبا تركيا صاحب عقل وحكمة وكان شجاعا وحكيما مثل أبيه ولقد رأى ان الدين الإسلامي دينا شاملا، يتميز أحكامه بالحكمة وأهله بالمعنويات العالية. ولهذا طلب الصلح وقطع دابر الحرب ورضي بدفع ١۰۰۰ درهم فقط اثر معاهدة صلح عقدها مع سيدنا خالد بن الوليد .

وتمت هذه المعاهدة سنة ١٣ للهجرة وبحضور عددا من الصحابة الكرام. وقد جاء متن هذه المعاهدة في كتاب فتوح البلدان وتحت كلمة بانقيا "بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من خالد بن الوليد لصلوبا بن بصبهرى ومنزله بشاطئ الفرات إنك آمن بامان الله على حقن دمك في اعطاء الجزية عن نفسك وجيرتك وأهل قريتك بانقيا وسميا على ألف درهم جزية وقد قبلنا منك ورضي من معي من المسلمين بذلك فلك ذمة الله وذمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وذمة المسلمين على ذلك شهد هشام بن الوليد وجرير بن عبد الله ابن ابي عوف وسعيد بن عمرو وكتب سنة ١٣ والسلام ويروى انه كان سنة ١٢ هـ "[٨] ووفق هذه المعاهدة التي عقدها صولي با فقد تخلص الترك والفرس عن مضار الحروب من القتل والسبي والذل إذ إن هذه المعاهدة كانت على رأسها عددا من مجاهدي الإسلام ذوي الأخلاق الفاضلة “رضوان الله عليهم "مثل خالد بن الوليد وأخوه هشام بن الوليد وجرير بن عبدالله البجلي وسعيد بن عمرو .

والآن لنرجع الى باصلوخان الذي هو مورد بحثنا حيث نجد ان ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان يشير الى ان هذا الإسم يدل على مدينة معروفة في العراق فنقرأ ما يلي: "باصلوخان[٩] مدينة قديمة كانت واقعة بين المدائن والنعمانية خربت منذ زمن طويل إلا إن بعض آثارها باقية "

ومن الناحية اللغوية عندما نحقق في الكلمة نفسها نرى ان كلمة “باصلوخان "تعريب لكلمة “باصولي خان“ باصلوخان “" التركية واستنادا الى كتاب قاموس اللغات لإبن المهنا فان معنى "صولي" في اللغة تعني العلو والرفعة وبالنسبة للمقطع الثاني فان "با" تعني الأمير كما في ديوان اللغات ومعنى “باي "الغني ويأتي لفظ" باي" على معنيين الأمير والغني، وباصولي خان “باصلوخان“ تعني بلهجتنا اليوم "صولي خان بك" كما نقول مثل اورخان بك وتورخان بك بينما هذه الكلمة كانت تلفظ في التركية القديمة بـ "سولاي، سولاو".

كان باصلوخان بن بصبهرى مقاتلا وشجاعا متميزا بالعلم والعرفان وأدرك كيف إن العرب بدخولهم الإسلام تغيروا وتحولوا من الجاهلية الى الحضارة وفي غضون مدة يسيرة .

وفي معركة القادسية والتي حصلت سنة ١٦ هـ بين الجيش الإسلامي والإيراني بقي باصلوخان محايدا.[[١۰

ان الدين الإسلامي وهو يدعو الى الأخلاق الفاضلة لهو دين حضارة سامية وأن ليس هنالك أدنى شك بأن النصر سيكون من نصيب مجاهدي الإسلام، في الحقيقة انه على الرغم من الكثرة العددية الذي كان الجيش الإيراني يتميز بها وامتلاكه لأدوات الحرب الفائقة من الأسلحة وغيرها الا ان هذا الجيش خسر المعركة وزال من الوجود بسبب افتقاده للإيمان والأخلاق .

أما الجيش الإسلامي فانه على الرغم من قلة عدده ونقصان عدته وأسلحته الا ان هذا الجيش كان يتميز بالأخلاق والإيمان والقوة المعنوية التي نفخها القرآن في روحهم وترجمت تلك المعاني في غلبة المسلمين الباهرة على أعدائهم .

لقد قام باصلوخان بعد اضمحلال إيران بالدخول في الحماية الرحيمة للخلافة الإسلامية وشكل في أطراف بانقيا وحدة عسكرية وقد اشتهر صولى باي بين الأتراك بـ "باصولى خان" حيث عرب بعد ذلك وأصبح "باصلو خان".

وفي اللغة التركية القديمة كانت هذه الكلمة تلفظ هكذا "صولاي، صولاو" وفي تلفظ كلمة صولاو فان حركة حرفي الصاد والام هي الفتحة حيث تلفظ “صلوخان "

والحقيقة كان صولي خان “باصلوخان“ شخصا تميز بالعلم والعرفان وتشرف بصحبة عمر بن الخطاب وعددا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان أول تركي من عظمائهم يتشرف بالإسلام وانطبق عليه المثل القائل “الأسماء تنزل من السماء “.

، لقد كان صولي خان يتأثر ويتأمل وهو يرى من فضائل أخلاق سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه والصحابة الكرام فكان يستصغر الدين الذي يدين به قومه، لذا وبعد فتح خراسان يبدأون بالاشتراك في الجهاد في سبيل الله حيث كان له دور متميز في دعوة أتراك سجستان للدين الإسلامي. وقد رافق صولي خان الصحابي عاصم بن عدي التميمي الذي أرسله عمر لفتح سجستان حيث استطاع أن يأخذ الأمان لأتراك زرنج[١١] وبعمله هذا فقد أنقذ أتراك زرنج من مصيبة كبرى .

وبعد قبوله الإسلام فانه سمى أول ابن له بـ "جميل"[١٢] فكان يكنى به ويدعى "أبو جميل الصلوبى" وهو صاحب الترجمة المعروف في كتب السيرة .

وقد توفي في زمن خلافة سيدنا معاوية رضي الله عنه وقد تولى أحد أحفاده المسمى "يحي بن معاذ بن جميل بن باصلوخان" إمارة خراسان .

من خلال قراءة حياة عظماء الأتراك مثل صولى خان، قلج خان، بوغري خان يتبين لنا بأن الأتراك لم يدخلوا الدين الإسلامي جبرا وقهرا بل دخلوه بالإدراك والمعرفة التامة وكان يؤمنون بأن هذا الدين سيكون باعثا لعلو شأن الأتراك ونيلهم للمراتب العليا .

لهذا رأينا كيف ان الأتراك تحت ظل الإيمان قد كانوا سببا في إعلاء الدين الإسلامي من طرف ومن طرف آخر نال الأتراك في ظل هذا الدين شأوا ومنزلة كبيرة، فكانوا مرشدين للأقوام الإسلامية وحراسا على العالم الإسلامي وحسب الإصطلاح القرآني كانوا سابقين في الخيرات خلفاء الله في الأرض .

لذا فان الأتراك اذا ارادوا البقاء في هذا المكان الرفيع والمنزلة العالية فعليهم أن يعتصموا بأحكام القرآن وأن يلوذوا به .

إن الإبتعاد عن القرآن يأتي على رأس العوامل التي ادت الى انحطاط الأتراك لأن الدين بمثابة الروح للأتراك واذا كنت تحب قومك “الأتراك “فلا تفارق روحك .

ملازكرد، ٢٦ كانون الأول ١٣٣٧، حسام الدين آماسيلى، جريدة اقدام تاريخ ٢ شباط ١٩٢٢، عدد: ٨٩٣٩.

الرئيسية
المقالات
الاخبار
الادب
الوثائق
حول المنبر
اتصل بنا
اعلانات
إصدارات

المنبر التركماني غير مسؤول عن الآراء المكتوبة ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر

Turkmen Tribune
contact@turkmentribune.com