تركمان العراق |  قضية كركوك  |  حقوق الانسان  |  كتابات مختارة عربي | Türkçe 
-
الاسباب الموجبة لتشكيل اقليم كركوك

حسين عوني (مُنظر سياسي تركماني)

رغم تمديد عمل لجنة مراجعة الدستور لإتاحة الفرصة لمناقشة المقترحات والتفاهم حول اليات مناسبة لتسوية قضية المواد الخلافية في الدستور. الا ان هذه اللجنة لا تزال حائرة امام ايجاد حل توافقي لمراجعة المادة (140) التي تخص المناطق المتنازع عليها في العراق. فالملاحظ ان المادة المذكورة قد اصبحت اكثر من اي وقت مضى نقطة تقاطع صعبة بين الكتل السياسية العاملة في الساحة العراقية، ومرد ذلك هو ان معظم الكتل السياسية ومكونات الشعب العراقي تنظر الى قضية كركوك على انها اول اختبار حقيقي لاجتياز العراق لمرحلة عدم التوازن السياسي. وعلى ضوء هذه النظرة فأن لجنة مراجعة الدستور تعيش هذه الايام وسط اجواء توحي الى ان الكتل السياسية تتجه نحو اتخاذ موقف حاسم حيال المادة (140) وتقرير مصير محافظة كركوك. وكل ذلك يعني وجود معارضة سياسية متنامية لطموحات الاحزاب الكردية بتطبيق المادة المذكورة بوضعها الحالي.

وهكذا يتبين ان هناك شبه اجماع في الساحة العراقية على تغيير المادة (140)، فضلا عن تزايد التأييد الاقليمي والدولي لهذا الاتجاه. والاهم من كل ذلك هو ان المقترحات المطروحة على بساط لجنة مراجعة الدستور متقاربة الى حد كبير في مطالبتها بتغيير المادة (140) واعطاء وضع خاص لمحافظة كركوك، واعتبارها اقليما قائما بذاته. وعليه قد نصيب كبد الحقيقة اذا قلنا بأن التركمان كانوا على صواب حينما اعلنوا مشروعهم – مشروع اقليم كركوك – لاجل انقاذ مدينة كركوك من ازماتها بصورة سلمية وسليمة بفعل اعطاء كل ذي حق حقه عبر ايجاد ادارة مشتركة لمحافظة كركوك.

وعلى اساس ما تقدم يصح القول بأن اعطاء وضع خاص لمحافظة كركوك، واعتبارها اقليما خاصا، يمثل تمثيلا ناصعا للاجماع الرافض لاي حل احادي الجانب لقضية هذه المدينة، كما انه يعتبر الحل الامثل لتجسيد ارادة الاطراف المتنازعة في كركوك واردة الشعب العراقي بصورة عامة. والى كل ذلك نبادر الى توضيح الاسباب الموجبة لتشكيل اقليم كركوك بغية تقديم الحقائق الى الرأي العام العراقي كما هي مستوحاة من الواقع المعاش. وهذه الاسباب هي كالاتي :-

 اولا : من المعروف ان قانون ادارة الدولة قد اعطى وضعا خاصا لمحافظة كركوك الى جانب محافظة بغداد، وكان من الممكن جدا تسوية معضلة كركوك وفق هذه الخصوصية بصورة سريعة منذ تلك الفترة. غير ان ظهور المادة (140) الى حيز الوجود ايام كتابة الدستور العراقي النافذ، ادى الى قلب الامور رأسا ً على عقب. حيث ان هذه المادة جعلت قضية كركوك قضية دستورية بعد الغاء قانون ادارة الدولة وملحقه بالكامل بأستثناء الفقرة (أ) من المادتين

(53 و 58) منه. ويرى الكثيرون حتى يومنا هذا بأن هذا الاستثناء خلق تناقضا واضحا بين مواد الدستور ذات الصلة، بالاضافة الى انه جاء تلبية لرغبة التحالف الكردستاني في قطع الطريق امام اعتبار محافظة كركوك اقليما خاصا، ومن ثم شرعنة الحاقها باقليم (كردستان) عبر الاصرار على تنفيذ المادة (140). وهكذا تحولت هذه المادة منذ الوهلة الاولى الى مصدر لتأزم الاوضاع في كركوك بصورة دراماتيكية، وهكذا ايضا تحولت مسألة تقرير مصير كركوك الى نقطة تقاطع صعبة أمام القوى المحلية والاقليمية والدولية. ولا غرابة بعد ذلك في تنامي قوة المطالبة بالعودة الى اعطاء وضع خاص لمحافظة كركوك.

ثانيا ً : رغم عقود طويلة من النزاع حول هوية كركوك، فأن قضية هذه المدينة لم تتحول الى قضية دستورية الا بعد سقوط النظام البائد وكتابة الدستور العراقي الدائم. حيث استغل قادة الاكراد الواقع السياسي الذي نشأ بعد سقوط صدام، فتجاوزوا مسألة تصحيح سياسة التعريب الى المطالبة بضم محافظة كركوك الى المنطقة الكردية. وبمعنى اخر انتهزت الاحزاب الكردية هذه الفرصة لتدوين المادة (140) في الدستور بهدف تهميش سيطرة الحكومة المركزية على محافظة كركوك، وشرعنة الحاقها بالمحافظات الكردية من اجل المطالبة بالاستقلال من خلال السيطرة على هذه المدينة وثرواتها النفطية.

ثالثا ً: كما كان متوقعا فأن لجنة تطبيع الاوضاع في كركوك، قد فشلت في اداء مهامها لاسباب كثيرة وفي مقدمتها ان تطبيق المادة (140) بوضعها الحالي لا يعني عند غالبية الناس سوى فرض حل احادي الجانب يخدم مصالح القومية الكردية على حساب القوميات الاخرى في كركوك وبالتالي على حساب مكونات الشعب العراقي بصورة عامة. وعليه فأن إصرارالاحزاب الكردية على تطبيق المادة (140) خلال الفترة المحددة في الدستور، لم يكن سوى لاستخدامها كورقة ضغط على الشعب وتمرير ما يرفضه من تنازل بشأن كركوك. ومن هنا تزايدت المعارضة الشعبية والرسمية المطالبة بأعطاء وضع خاص لمدينة كركوك قبل أن يؤدي تطبيق المادة (140) بصيغتها الحالية الى خلق فتنة جديدة تطال جميع مكونات الشعب العراقي القومية والطائفية وبالتالي انهيار العراق في دولة ممزقة وحرب اهلية تحرق الاخضر واليابس.

رابعا ً : ان المادة (140) من الدستور العراقي النافذ، تخص تطبيع الاوضاع في المناطق المتنازع عليها في العراق، وليست لها علاقة مباشرة بترسيم حدود (اقليم كردستان). لذا ينبغي عدم الخلط بين الامرين، وعلى السلطة التنفيذية التي تتحمل مسؤولية تنفيذ المادة

(140) بيان سياستها تجاه هذه المسألة التي تستهدف التلاعب بمصائر القوميات العراقية بخرائط وهمية لم يعترف بها احد. ولهذا وذاك فأن مطالبة الاحزاب الكردية بالحاق محافظة كركوك بالمنطقة الكردية هي امر مبالغ فيه ويكتسي بطابع سياسي اكثر من كونه مرتبطا بحقوق جغرافية. وبالتالي فأن تغيير عائدية كركوك يشكل خلخلة لتراب الوطن العراقي وتركيبته الشعبية. وفي الحقيقة ان هذه العوامل مجتمعة تعزز مطلب مكونات الشعب العراقي والاحزاب السياسية بالحفاظ على خصوصية كركوك من خلال اعتبارها وحدة فدرالية خاصة.

خامسا ً : بعد انتهاء مناقشة قانون الفدرالية في مجلس النواب العراقي، تقرر تأجيل تطبيقه لمدة (18) شهرا ً، وبعد انقضاء هذه الفترة يأتي دور الشعب العراقي للمشاركة في الاستفتاء لاختيار شكل الفدرالية الذي يراد تطبيقه في العراق.

إذن.. كيف تم الاعتراف ب (اقليم كردستان) بدون اخذ رأي الشعب العراقي أو حتى رأي الشعب الكردي ؟ وإذا قيل بأنه قد تم الاعتراف ب (اقليم كردستان) لكونه امرا ً واقعا منذ سنوات، فلماذا لا يتم الاعتراف بخصوصية كركوك لكونها امرا واقعا منذ عقود مديدة ؟ فهل لا يعني كل ذلك اتباع سياسة الكيل بمكيالين تجاه القضايا الوطنية وخصوصيات القوميات العراقية. وايضا ألا يعني كل ذلك مصادرة لرأي الشعب وشرعية البرلمان العراقي، ومن ثم بناء العراق الجديد على أسس ديمقراطية عرجاء.

على كل حال.. ينبغي الاعتراف بأن السياسة العراقية المتبعة تجاه كركوك بحاجة الى تصحيح وتقويم بغية الاعتراف بخصوصيتها لاجل ضمان نجاح العملية السياسية، وضمان الاستقرار داخل السلطة والدولة العراقية.

سادسا ً : لو فرضنا جدلا انه يحق للاكراد المطالبة بالحاق كركوك بالمنطقة الكردية، فعلينا ان نتسائل : هل استطاع الاكراد كسب ثقة القوميات الاخرى في كركوك، ام انهم انتهجوا سياسة التعالي على هذه القوميات ومحاولة تذويبها في القومية الكردية بشتى الطرق والوسائل ؟

ان الواقع المعاش في كركوك يجيب على هذه التساؤلات بكل شفافية، وان اي متابع لهذا الواقع عن قرب يتلمس كل يوم آثار الأخطاء التي وقعت فيها الاحزاب الكردية في كركوك، وكما يقول المثل الصيني : (نظرة واحدة خير من الف خبر مسموع). حيث ان الاكراد حاولوا بعد سقوط نظام صدام الاستفادة من نفوذهم السياسي وقدراتهم المادية والعسكرية لاجل بسط نفوذهم السياسي والاداري في كركوك بدل اشراك القوميات الاخرى في هذه المسائل. بالاضافة الى ذلك بدأ التنافس يتعاظم يوما بعد اخر بين الحزبين الكرديين – الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني – على الانفراد في السيطرة على كركوك. وبالنتيجة فأن هذه السلوكيات لم تعد تحجب نوايا قادة الاكراد في جعل نفوذهم السياسي والاداري في كركوك امرا ً واقعا ً واجبار الاخرين على الاعتراف به، ومن ثم تجيير هذا الواقع في العملية السياسية الجارية في العراق لصالح الحاق كركوك بالمنطقة الكردية. وخير دليل على كل ما سبق هو مسودة الدستور الكردي التي كُتبت من قبل لجان حزبية كردية بدون مشاركة اي عنصر من القوميات الاخرى (العربية، التركمانية، الكلدو اشورية).

وفي الحقيقة ان مسودة الدستور الكردي تمثل بوصلة تفكير قادة الاكراد في تهميش وانكار حقوق القوميات الاخرى في مناطقهم، وعلى سبيل المثال لا الحصر، لو تحققت رغبة الاكراد في الحاق كركوك ب (اقليم كردستان) فأن التركمان سوف يشكلون القومية الثانية في هذا الاقليم، ولكن مثل هذا الشيء ليس له محل من الاعراب في مسودة الدستور الكردي ؟! ولذا يمكن القول ببساطة ان الاكراد لا يفكرون بتاتا بضمان حقوق القوميات الاخرى، بل انهم يريدون جعل اقليمهم كيانا ًخاصا ًبهم وعلى القوميات الاخرى ان تعيش على فتات المائدة الكردية. وبطبيعة الحال ان هذه الامور عززت قناعة الاوساط السياسية المحلية والاقليمية والدولية بتشكيل اقليم كركوك بأعتباره يشكل افضل الحلول المطروحة لضمان حقوق الاطراف المتنازعة فيه من خلال ادارته بصورة مشتركة على اساس التوافق.

سابعا ً : هناك تناقض جوهري في الخطاب السياسي الكردي فيما يتعلق بهوية محافظة كركوك وتقرير مصيرها، حيث ان الاكراد أخفقوا حتى الآن في توضيح ادعاءاتهم بأن كركوك كردستانية وليست كردية.

حسنا ً... اذا كانت كركوك كردستانية حقا، فلماذا يصر الاكراد على اجراء استفتاء نهاية العام الجاري لتحديد هوية هذه المدينة ؟

ثم ان قول الاكراد بأن كركوك ليست كردية، فهذا اعتراف صريح بأن الاكراد لا يشكلون الاكثرية فيها، بل انها مدينة ذات خصوصية تركمانية. والى ذلك فأن استمرار قادة الاكراد على ترويج مثل هذه التناقضات لا يعني سوى طمس الحقائق وخلخلة حالة التعايش القائمة بين القوميات المختلفة في كركوك والتي ظلت صامدة طوال عقود من الزمن أمام سياسات الحكومات السابقة التي سارت على اساس تغليب قومية على اخرى في محافظة كركوك.

على كل حال.. يجدر القول ان تعامل الاحزاب الكردية بالتناقضات لاجل السيطرة على كركوك، هو في الحقيقة نتاج فكر القوة، حيث ان الوضع الامني والسياسي المتذبذب في العراق، يسمح لقادة الاكراد بأستغلال نفوذهم السياسي واطلاق تصريحات مشحونة بالتهديد والوعيد بغية تحقيق مكاسب في هذه الظروف الصعبة التي يمر بها البلد. وعلى هذا الارضية يرى المتابع ان العلاقة بين الاكراد والحكومة المركزية كثيرا ً ما تصل الى حالة التشنج والاحتقان بسبب انعكاسات قضية كركوك. وكل هذا وذاك لا يضع مجالا للشك بأن السياسة الكردية ينطبق عليها المثل القائل : (اذا كانت المطرقة الاداة الوحيدة لديك فأنك سوف تعتبر كل المشاكل مسامير).

وتبعا لما تقدم.. نشهد هذه الايام توجه اذهان المعنيين بالشأن العراقي نحو ترجيح تحييد وضع كركوك لاجل استبعاد العراق من مخاطر بعيدة المدى على استقراره، ويستوجب تحقيق ذلك تغيير المادة (140) من الدستور العراقي النافذ بشكل يضمن الاعتراف بخصوصية كركوك وفائدتها للعراق والعراقيين على حد سواء.

ثامنا ً : لم يفلح القادة الاكراد في توحيد افكارهم ومناهجهم حول قضايا مهمة تهم (اقليم كردستان)، فهناك قضايا خلافية كثيرة بين الحزبين الكرديين الرئيسيين – الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني – حول رئاسة الاقليم والحكومة الكردية ووو.. الخ، وربما سوف تصل حدة هذه الخلافات الى اعلى مدياتها حينما يأتي دور الاتحاد الوطني الكردستاني لتسلم دفة حكومة الاقليم في المستقبل القريب، وكذلك قد تتعاظم الخلافات حول رئاسة الاقليم اكثر فأكثر عندما تنتهي ولاية السيد جلال طالباني كرئيس للجمهورية، وذلك لان المكان – اي اقليم كردستان – سوف لا يتسع لكليهما في ان واحد، وعليه قد تعود حالة الاحتدام التي كانت مستمرة بين الاحزاب الكردية قبل سقوط نظام صدام.

وبطبيعة الحال ان هذه الخلافات التي تعيش كالنار تحت الرماد بين الاحزاب الكردية، قد خلقت لدى الرأي العام العراقي موانع نفسية تجاه اعتبار (اقليم كردستان) نموذجا للديمقراطية في العراق. ومن هنا يلاحظ بوضوح اتساع حالة الحيطة والحذر في تعامل ابناء الشعب العراقي مع المطالب الكردية سواء على صعيد العراق او على صعيد كركوك بوجه خاص. وتبعا لذلك فشل قادة الاكراد في اقناع العراقيين بالواقع الايجابي لالحاق كركوك بالمنطقة الكردية وفائدته للبلد. وهكذا اصبحت الدعوة الى اعتبار كركوك اقليما خاصا، دعوة جماهيرية لا سيما بعد ان اثبت الواقع بأن كركوك ظلت بعيدة عن الفتنة الطائفية التي يشهدها العراق، كما انها ظلت صامدة امام الفتنة القومية التي يثيرها الصراع حول هويتها. ولعلنا غير مخطئين اذا قلنا بأنه في حالة التوافق على اعتبار كركوك اقليما خاصا، فأن هذه المدينة سوف تصبح مثالا للديمقراطية والتعايش السلمي بين الطوائف والقوميات في العراق. ولعلنا غير مخطئين ايضا اذا قلنا ان هذا هو ديدن كركوك رغم عوادي الزمن.

تاسعا ً: ان مشروع (اقليم كردستان) هو مشروع قومي كردي بحت، حيث ان الاكراد يعتبرون انفسهم جزءا من الامة الكردية، ومن هذا المنطلق رفضت الاحزاب الكردية تدوين مادة في الدستور العراقي النافذ مفادها (ان العراق جزء من الامة العربية). والى ذلك نتسائل: لماذا يحق للاكراد اعتبار انفسهم جزءا من الامة التي ينتمون اليها ولا يحق ذلك للعرب والتركمان والكلدان والاشوريين في كركوك ؟ وكذلك نتسائل : لماذا يحق للاكراد اقامة كيان خاص بهم استنادا الى مبدأ حق تقرير مصير الشعوب الصادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولا يحق لبقية القوميات تأسيس كيان خاص بهم استنادا الى نفس المبدأ ؟

على اي حال... يبدو من الواضح ان الاكراد يحللون ما لهم ويحرمون ما عليهم، اي انهم يحللون لانفسهم تقرير مصيرهم بأنفسهم ويحرمونه على القوميات الاخرى ؟!

ان مثل هذا التفكير لا يعارض المنطق فحسب، بل انه يساهم كثيرا في دفع قضية كركوك الى نفق مظلم، ولذا يرى معظم المراقبين ان الحل الوسط للخروج من هذا المأزق هو اعتبار كركوك اقليما خاصا يمثل قاسما مشتركا يحقق الطموحات الرئيسية للاطراف المتنازعة في هذه المدينة.

عاشرا ً : حاول الاكراد بعد سقوط نظام صدام الفوز بكركوك من خلال المادة (58) من قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية، وعندما فشلوا حاولوا فعل ذلك بأستخدام المادة (140) من الدستور العراقي الدائم، لكن هذا لم ينجح ايضا مما جعلهم يدركون بأن عليهم التحدث والتفاوض مع الاطراف الرئيسية الاخرى في كركوك. وفي الوقت نفسه فأن ادارة بوش انشغلت بتحقيق الاستقرار في وسط العراق واهملت ازمة كركوك وسمحت بتفاقمها.

وعليه اذا كانت حسابات واشنطن قائمة على أنها لا تستطيع المخاطرة بعلاقاتها مع حلفائها الاكراد، فعليها الان التفكير بوضع استراتيجية تسمح بالتوصل الى حل سلمي وسليم للنزاع في كركوك عبر الحوار لبناء التوافق بين قومياتها. كما ان على الامم المتحدة لعب دور بارز لتقديم الدعم السياسي والفني لعملية البحث عن حل توافقي لأزمة كركوك عبر الحوار بين الاطراف المتنازعة فيها.

ولاجل جمع هذه الامور في اطار واحد، فاننا نطرح مشروع حل انتقالي لمعضلة كركوك يتلخص بما يلي :-

 أ – اجراء مفاوضات بين ممثلي القوميات المختلفة في كركوك بمساعدة الحكومة المركزية في بغداد للاتفاق على فترة انتقالية (4 او 8 سنوات) لتسوية مشكلة هذه المدينة.

 ب- اعتبار محافظة كركوك في هذه الفترة الانتقالية اقليم فدرالي قائم بذاته.

 ج - تقاسم السلطة على اساس التوافق بين القوميات في كركوك خلال الفترة الانتقالية.

 د – تحديد آلية للوصول الى حل شامل في نهاية الفترة الانتقالية.

 ه – ان تدعوا الحكومة العراقية الامم المتحدة لتعيين ممثل خاص لها في كركوك، يتولى ضمان اقامة فدرالية خاصة للمدينة وتقاسم السلطة بين قومياتها وتحديد ٱلية لتفعيل الفترة الانتقالية التي يتم الاتفاق عليها.

الحادي عشر : ليس خافيا على معظم المعنيين بالشأن العراقي، بأن المعالجات التي وضعت حتى الان لتسوية معضلة كركوك، هي نتاج مساومات وصفقات جرت وراء الابواب المغلقة ولم يشترك فيها في معظم الاحيان الاطراف المتنازعة في كركوك غير الاكراد. وهذا مما جعل الاوضاع في هذه المدينة تتأزم يوما بعد اخر، لذا يجب اخراج قضية كركوك من الغرف المغلقة، وربطها مباشرة بعملية المصالحة الوطنية التي تستهدف احلال الامن والسلام وايصال العراق الى بر الامان. غير ان تحقيق هذا الهدف يبقى بعد المنال لعملية المصالحة الوطنية طالما انها ظلت منحصرة في بقاع محددة من العراق، فالملاحظ ان هذه العملية لم تتمكن حتى هذه الساعة من عبور جبال حمرين بأتجاه الشمال ولا سيما بأتجاه كركوك. حيث لا نبالغ اذا قلنا بأن قضية كركوك تمثل خط النهاية بالنسبة للمصالحة الوطنية، وذلك بأعتبار ان محافظة كركوك بتنوعها السكاني تمثل عراقا مصغرا، أو انها لهذه الاسباب تعتبر مستجمع عصب العراق، او كما يقول بعض كبار الساسة العراقيين بأن العراق كله مركب على كركوك. ومن هنا يأتي الكلام بأن استمرار الاوضاع في كركوك على ما هو عليه الان سوف يجعل هذه المدينة في اي لحظة حرجة منطلقا لتقسيم العراق او اشعال حرب طائفية او قومية في العراق.

وعلى اساس ما تقدم.. فأن على الحكومة العراقية تقوية خاصرة المصالحة الوطنية بجعل معضلة كركوك من اولوياتها ومعالجتها بشكل يضمن مراعاة الوضع الخاص لهذه المدينة تحت شعار : (التوازن هو افضل ضمان لمستقبل كركوك).

واخيرا ً وبعد بيان الأسباب الموجبة لتشكيل اقليم كركوك، ينبغي على لجنة مراجعة الدستور ان تدرك بأن تطبيع الاوضاع في كركوك شيء يختلف عن تقرير مصيرها. فيجب عدم الخلط بينهما كما حصل ايام كتابة الدستور نتيجة إملاء الشروط على لجنة كتابة الدستور من قبل بعض الجهات السياسية. وبعبارة اخرى ان على لجنة مراجعة الدستور اتباع منهج لمراجعة المادة (140)، يختلف عن المنهج الذي اتبعته لجنة كتابة الدستور، بحيث يضمن المنهج الجديد ايجاد ٱلية تسوية دائمة ومتوازنة للاوضاع في كركوك. وكل ذلك يتطلب التوافق بين الاطراف المشاركة في لجنة مراجعة الدستور على ان تطبيق المادة (140) بصيغتها الحالية لا تنتج سوى حالة عدم استقرار مستدامة في العراق بصورة عامة وفي كركوك بصورة خاصة. وقد شخص رئيس الجمهورية السيد جلال طالباني هذه المسألة ذات مرة حينما قال :

(ان كركوك بحاجة الى جراحة في الدماغ يجريها جراح ماهر وشجاع بعد تهدئة المريض).

ونحن نقول ان هذا التشخيص صحيح ولكن يبقى ان نتذكر معه بأن (صدى الأفعال اقوى من صدى الأقوال).

الرئيسية
المقالات
الاخبار
الادب
الوثائق
حول المنبر
اتصل بنا
اعلانات
إصدارات

المنبر التركماني غير مسؤول عن الآراء المكتوبة ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر

Turkmen Tribune
contact@turkmentribune.com