تركمان العراق |  قضية كركوك  |  حقوق الانسان  |  كتابات مختارة عربي | Türkçe 
-
قلعة كركوك..قصة الاستقواء على المحن والغزاة

نصرت مردان

تقوم مدينة كركوك القديمة ( القلعة ) فوق مستوطن أثري قديم ورد اسمه في الألواح المستخرجة منه وعددها 51 لوحاً يعود تاريخها إلى منتصف القرن الثاني عشر قبل الميلاد ، وقد تم العثور عليها في سفح القلعة صدفة عام 1923 . وتقول المصادر أن البابليين سموها ( أرابخا ) وسمى الآشوريون المستوطن القريب منها ( أرافا ) والتي حرفت في التاريخ القريب إلى ( عرفه ) .

 

تؤكد الكتابات المسمارية في الرقم التي تم العثور عليها في قلعة كركوك عام 1923 أن مدينة كركوك هي في الأصل مدينة ارابخا ,وهي الدولة المستقلة التي ظهرت في الألف الثاني قبل الميلاد . وكانت تقوم على مجرى نهر خاصة صو . وكان موقع ( أرابخا ) موضوعاً للنقاش بين العلماء . ودلت الدراسات أن منطقة (عرفه ) التي تبعد ثلاثة كيلومترات عن شمال غربي القلعة تضم اثار مدينة أرابخا التي تعتبر أقدم مدينة تاريخية معروفة بعد أربيل .حيث تم العثور عام 1948 على اسلحة ،وأدوات نحاسية ، وتمثال عجل من النحاس ‘وبعض الأواني الفخارية .يعود تاريخها إلى الحضارة السومرية من عصر فجر السلالات 2600 ق.م .ورغم قلة المصادر التي تتحدث عن تاريخ هذه المدينة العراقية الهامة .إلا أن المصادر الآشورية تذكر كركوك باعتبارها مركزاً لعبادة اله الرعد والأمطار (أدد) .وفي مسلة النصر التي أقامها بابلي غير معروف (( دخلت كرخيوـ كرخ(أي القلعة ) اَرابخا ، وقبلت أقدام الإله أدد ، ونظمت شؤون البلاد)) .وثمة نسخة نادرة في مكتبة لايبزك من كتاب بعنوان ( أخبار الشهداء والقديسين ) للأب بولص بيجان باللغة الكلدانية ، والمطبوع في 1891 جاء في مجلده الثاني عن أخبار كركوك بأيجاز مايلي :

 

تم إنشاء قلعة كركوك من قبل الملك الأشوري أشور ناصربال الثاني (884 ـ 858 ق.م ) قبل سبعة وعشرين قرناً . بعد أن تمرد عليه قائد الماذيين اَرياق ، واستولى على ( كريامي / باجرمي ) الواقعة بين الزاب الصغير وشهرزور . حيث قام بعزله ،وعين ( كرمي ) بدلاً منه ،بعد أن أمره ببناء قلعة حصينة في ( كورا باجرمي ) في منطقة كركوك الحالية .حيث جاء بألف من أتباعه ،وأسكنهم فيها . وذلك أصبحت القلعة حصناً دفاعياً أمام هجوم الأعداء .بعد عدة قرون دخل الإسكندر المقدوني كركوك بعد أن انتصر على الملك الفارسي داريوس الثالث في معركة أربيلو عام 331 ق.م . وقد مكث الإسكندر عدة أيام في كركوك ، زار خلالها قلعة كركوك قبل أن يعود إلى بابل ليتوفى فيها عام 323 ق.م .

 

بعد وفاة الإسكندر ،اقتسم قواده مملكته فكانت كركوك من نصيب القائد( سلوقس) الذي أسس فيما بعد الدولة السلوقية 311 ـ 1319 ق.م . وتؤكد المصادر التاريخية أن القائد المذكور أقام على أنقاض المباني المهدمة قلعة حصينة مسورة بسور منيع عليه 72 برجاً ، وشيد لها بابين أطلق على الأول اسم باب ( باب الملك ) ، وعلى الثاني اسم ( باب طوطي ) وهو اسم حاكم القلعة آنذاك .كما قام بتقسيم القلعة إلى 72 زقاقاً . وقام كذلك بإسكان بعض العشائر حول سور المدينة فصارت تعرف المدينة منذ ذلك الحين باسم ( كرخ سلوقس ) أي ( مدينة سلوقس ) .وتعتبر هذه التسمية منحوتة من التسمية الآرامية ( كرخاد - بيت سلوخ

 

بعد وفاة سلوقس ، انتقلت القلعة وما حولها إلى خلفائه حتى انتزعها منهم البارشبول ( 256 ق.م ).وفي عصر البارثين كثرت الفتن ، والاضطرابات الداخلية فساءت الأوضاع واندلعت الحروب بينهم وبين الرومان مما أضعف دولتهم فاستغل الساسانيون ضعف البارثين فهجموا عليهم ،واسقطوا حكمهم . في حدود سنة 227 ق.م ولم يتم خلاص أهالي ( كرخيني ) إلا على يد الجيوش الإسلامية التي قضت على الدولة الساسانية . وقد عاشت المدينة فترة من الرخاء والاستقرار حتى فترة اكتساح المغول بلاد المسلمين ، فدخلت كركوك تحت حكم التتار

 

اسم كركوك في جغرافية بطليموس هو ( كركورا ) ، وهو ( كونكون ) في خارطة الطرق الرومانية . ومن المثير للانتباه هو عدم ورود اسم كركوك في الكتب التي تتحدث عن الغزوات ، والفتوحات الإسلامية . يكتفي ياقوت الحموي في معجمه بالحديث عنها بقوله ( إنها ـ أي قلعة كركوك ـ قلعة في وطأ من الأرض حسنة ، حصينة بين داقوقا و أربل . رأيتها ، وهي على تل عال ، ولها ربض صغير .) كما ورد ذكرها في كتاب ( الكامل ) لابن الأثير باسم ( بلد كرخيني ) . ولعل أقدم ذكر لاسم كركوك هو ماورد في كتاب ( ظفرنامة ـ كتاب النصر ) لعلي اليزدي ، وهو من أهل القرن التاسع الهجري ، في أنها تقع قرب طاووق ( داقوق ).

 

الوجود التركماني في كركوك

 

تتفق أراء المؤرخين في أن شيوع اسم كركوك حدث في زمن حكم دولة قره قويونلو التركمانية في القرن التاسع للهجرة .حيث شاع اسم كركوك ، وبدأ الناس يتناسون مع الزمن اسم ( كرخيني ).كما يؤكد ذلك العلامة مصطفى جواد في مقاله الموسوم ( كركوك في التاريخ ) المنشور في مجلة ( أهل النفط ، العدد 40 ، 1954 ) :

 

(( .. فالاسم ( كرخيني ) إذن هو قديم وقد عثرنا على العصر الذي سميت به بلدة (كرخيني) باسم كركوك وهو زمن الدولة التركمانية القرقويونلية وذلك إننا وجدنا نصوصاً تاريخية لحوادث جرت في كركوك فذكرت تارة باسم ( كرخيني ) وتارة باسم ( كركوك ) مع أن الحوادث لم تتبدل بحيث لا يبقى شك في أن الاسمين كانا يتنازعان الشهرة . تنازع القوي والضعيف وتنازع الجديد والقديم ثم غلب القوي على خصمه وفتح الجديد على القديم ..))

 

ومن المعروف إن الهجرات التركمانية القادمة من آسيا الوسطى لم تنقطع منذ التاريخ القديم . إلا أن هذه الهجرات اكتسبت أهمية بالغة بعد اعتناق شعوب آسيا الوسطى للإسلام .

 

استيطانهم العراق في سنة 54 هجرية بعد قيام القائد الأموي عبيدالله بن زياد ألفين من المقاتلين التركمان والذي اعجب ببأسهم وشجاعتهم خلال حملته على قبج خاتون في بخارى. وبلغت ذروتها في العصر العباسي . ويذكر العلامة مصطفى جواد، أن دور السلاجقة هو من أهم الأدوار في المجتمع العراقي حيث أنقذ قائدهم طغرل بك سنة 1055 هجرية الخليفة العباسي القائم بأمر الله من الوقوع في أسر البويهين . وقد تأسست خلال هذه الفترة والفترات اللاحقة عدة إمارات ودول تركمانية منها :

 

1 ـ أمارة الأتابكة في الموصل ( 1127 ـ 1233 م ) أنشأها الأمير عمادالدين الزنكي ، وضمت الموصل و سنجار ، وجزيرة ابن عمر ونصيبين وحلب وماردين .

 

2 ـ إمارة الأتابكة في أربيل (1144 ـ 1233 م ) أنشأها الأمير السلجوقي زين الدين علي كوجك عام 1144 م وضمت حكاري وسنجار وتكريت والعمادية وسنجار وحران.

 

3 ـ الإمارة الإيواقية التركمانية في كركوك وكانت تضم السليمانية وسهل شهرزور ومن ملوكها قبجاق ارسلان طاش

 

4ـ الدولة الجلائرية ( 1339 ـ 1410 م )

 

5 ـ الدولة السلجوقية (1055ـ 1157 م )

 

6 ـ دولة ( قره قويونلو ) الخروف الأسود ( 1411 ـ 1468 م)

 

7 ـ دولة ( أق قويونلو ) الخروف الأبيض ( 1468 ـ 1508 م) .

 

لم تدخل كركوك نطاق التاريخ الإسلامي إلا في القرن الخامس الهجري أو قبله بفترة وجيزة . ذاع صيتها في زمن السلاجقة ، وأصبحت مطمع أنظار الأتابكة الذين استولوا عليها في عهد الناصر أحمد بن المستضيء العباسي (585 هـ ) .وفي أواخر القرن السادس عشر الهجري أصبحت كركوك تحت الحكم العثماني بعد انتصارهم على الصفويين .

 

رغم ذلك تعرضت كركوك لعدة هجمات غادرة في عهد الحاكم الصفوي ( طهماسب قولي ) الذي سمي نفسه فيما بعد ( نادر شاه ) فقد توغلت قواته داخل الأراضي العراقية فكان أن أرسل السلطان العثماني محمود الأول جيشاً ضخماً بقيادة وزيره ( طوبال عثمان ) الذي اتخذ من كركوك مقراً لحركاته العسكرية . وفي 19 تموز 1733 م التحم الجيشان في وادي العظيم ، ودارت بينهما معركة فاصلة ، أسفرت عن اندحار قوات نادر شاه . وتراجعها نحو الأراضي الإيرانية . لكن نادر شاه عاود محاولته لاحتلال العراق مرة ثانية بعد مرور ثلاثة أشهر على هزيمته . وكانت كركوك من جملة المدن التي هاجمها فخرج لقتاله في هذه المرة ايضاً القائد العثماني ( طوبال عثمان باشا ) ، فالتقى الجيشان في سهل ( ليلان ) الواقع جنوبي شرقي كركوك في 15 جمادي الأولى 1146 هـ / 24 تشرين الثاني 1733 م . ودارت بينهما معركة ضارية قتل خلالها القائد العثماني طوبال عثمان باشا . وتفرق أفراد جيشه .وفي 1156 هـ زحف نادر شاه للمرة الثالثة على كركوك فعسكر في ظاهر القلعة .

 

وقد حاول في بداية الأمر إقناع الأهالي بالاستسلام دون مقاومة . إلا أن سكان القلعة صمموا على الدفاع عن المدينة ، واستطاعوا ببسالتهم أن يلحقوا بقوات نادر شاه خسائر فادحة لم يكن يتوقعها ، فاستعان بقوات إضافية ، وأمطر القلعة بقذائف المدفعية ، والمنجنيق ، أحدثت ثغرات في أسوارها ، فلم يبق أمام المدافعين من سبيل غير الاستسلام مقابل التعهد بالمحافظة على أرواحهم ، وأعراضهم ، وأموالهم .لكن المحتلين لم يلتزموا بالعهد فقاموا بمذبحة في القلعة ثم عبروا إلى الجانب الغربي من المدينة حيث قرية ( قورية ) التي كانت حديثة الإنشاء فاحتلوها ، وتوجهوا منها لاحتلال الموصل ، لكنهم فشلوا في ذلك . ويعود تمركز التركمان بالدرجة الأولى في كركوك رغم امتداد نفوذهم إلى معظم مناطق العراق إلى تشابه مناخها وطبيعتها الجغرافية بالدرجة الأولى لمناخ وطبيعة إقليم آسيا الوسطى التي هاجروا منها إلى العراق .

 

في ظل الحكم العثماني أصبحت كركوك قصبة تابعة لولاية شهرزور ، ومركزاً إدارياً لها. بعد أن تحقق لكركوك التطور العمراني والأقتصادي ، أصبحت كركوك سنجقاً أي لواءا تابعاً لولاية الموصل .وظلت كذلك حتى خروج العثمانيين من العراق في نهاية الحرب العالمية الأولى 1918 وقيام الدولة العراقية في 1920 حيث تحولت كركوك إلى مركز إداري للواء كركوك . وازدادت أهميتها بعد اكتشاف النفط في حقولها بكميات هائلة عام 1927 . في 1 حزيران 1972 بدأ النظام العراقي بتطبيق سياسته المستمرة حتى الآن تجاه هذه المدينة القائمة على تغيير الطابع الديموغرافي والأثني لها بتغيير اسمها التاريخي المعروف دولياً من كركوك إلى ( التأميم !) دون مبرر تاريخي مقنع سوى حجة تأميم النفط الواهية .

 

المعالم التاريخية في قلعة كركوك

 

 

قلعة كركوك ، هي المدينة القديمة .تقع في الصوب الكبير من مدينة كركوك شرقي نهر ( خاصة جاي ). يبلغ ارتفاعها عن مستوى الأرض المجاورة لها حاولي 18م .تنحدر نحو الأسفل تدريجياً ، شكلها العام دائري تقريباً .ولها أربعة أبواب . من الأماكن التاريخية الموجودة فيها :

 

1 . جامع النبي دانيال : معروف بمئذنته المعروفة التي يعود تاريخها إلى أواخر العصر المغولي ، ويمتاز بناؤه بالعقادات ،والأقواس الجميلة التي تقوم على قاعدة مثمنة .

 

2 . الجامع الكبير ( اولو جامع )ويسمى أيضاً جامع (مريم آنا ) ويعود تاريخه إلى القرن الثالث عشر الميلادي .

 

3 . القبة الزرقاء ( كوك كنبد ) بناء مثمن الشكل ذو طراز معماري جميل حيث تتخلله الزخارف الاَجرية النباتية ، مطعمة بالقاشاني الملون ، ومزينة بشريط من الكتابة في أعلى البناء من الخارج .يستدل منها أن القبة استخدمت في عام 762 هـ ،وتضم رفات الأميرة التركمانية بغداي خاتون .

 

4 . جامع عريان : يعود تاريخه إلى 1142 هـ . يقع وسط القلعة ،ويتميز بقبته الكبيرة التي تقوم على أربعة أضلاع متساوية ،ترتكز عليها ثمانية أضلاع تعلوها ستة عشر ضلعاً ، تشكل قاعدة القبة التي يبلغ ارتفاعها خمسة عشر متراً .

 

5 . كاتدرائية أم الأحزان : وتسمى أيضاً ( الكنيسة الكلدانية ) وقد بنيت على أنقاض كاتدرائية قديمة . وهي مشيدة بالحجر والجص .تقوم سقوفها ،و أروقتها على أقواس ، وأعمدة من المرمر تعتبر بتيجانها الفخمة أية فنية في البناء المعماري .يعود تاريخ بنائها إلى سنة 1862 .

 

وهنا أرى لزاماً عليّ أن أذكر ،إن المسيحيين الذين كانوا يسكنون القلعة هم من أصول تركمانية .ليست لهم لغة أخرى . يقيمون بها شعائر الصلاة والعبادة في الكنيسة الخاصة بهم والتي تدعى ( قرمزي كيلسه ) أي الكنيسة الحمراء ، نظراً لوقوعها على تل أحمر.يرتلون صلواتهم باللغة التركمانية من الكتاب المقدس ( مدراش ) .

 

في كتاب ( كرد وترك وعرب ) لمؤلفه سي. جي .ادموندز ( ترجمة جرجيس فتح الله ، منشورات جريدة التاَخي ، 1971 )يذكر عن ( مسيحيي القلعة ) مايلي :

 

(( كانت كركوك في ايام الامبراطورية الساسانية مركزا مشهورا من مراكز النساطرة ، وكرسيا لرئيس أساقفة ( بيت كرمي = باجرمي ) .هذه الطائفة يمثلها اليوم ( الحديث في العشرينات ) زهاء مائة وخمسين اسرة كلدانية . يسكن معظمها في الأحياء القديمة من التل ( يقصد به القلعة ) يدير أمورها الدينية مطران يدعى اسطيفان جبري . يتزعم الطائفة ثلاثة من أغنياء تجارهم وملاكهم هم : ميناس غريب ،قسطنطين ،وتوما هندي)

 

لهم مقام محترم في المجتمع المدينة ، أولهم عضو في مجلس الإدارة المنتخب ، وهو مجلس كان في عهد الترك ذا صلاحيات واسعة (…) وقد فخرت هذه الطائفة إلى ما قبل الحرب العامة بأقدم بيعة للنصارى ، وهي ( بيعة الشهداء )التي بنيت في القرن الخامس الميلادي تخليداً لذكر شهداء اضطهاد الملك الساساني يزكرد الثاني 438ـ 457 م.. ))

 

6 . بوابة طوب قابي : تقع في الجهة الغربية من القلعة ، وتطل على نهر خاصه ، وهي البوابة الوحيدة المتبقية من البوابات الأربع ، ويعود تاريخها إلى اكثر من مائة وخمسين عاماً .تتميز بأقواسها المدببة والنصف دائرية ، وقبوها الشبه البيضوي .

 

7 . البيوت التراثية : تزخر قلعة كركوك بالعديد من الدور التراثية ذات المواصفات النادرة والفريدة .ومن هذه الدور ( دار طيفور ) التي تمثل الطراز المعماري التركماني القديم . تتكون الدار من ثلاثة دور متداخلة . الأولى ذات أعمدة مرمرية دقيقة ، مداخل غرفها ،ونوافذها مؤطرة بالمرمر والزخارف . الدار الثانية تتكون من مجاز وسرداب و كوشك ،أما الدار الثالثة والتي تسمى ( بيت العروس ) فتتكون من ردهة صغيرة ( طارمة ) ،وغرفة مستطيلة الشكل . تتميز هذه الدور بعقودها ، وأقبيتها ، وزخارفها الجصية ، والنباتية ، والحيوانية . ولكل دار من دور القلعة التراثية ميزات خاصة نكاد لانجدها في الدور الأخرى التي اعتادت أن تروي همومها ،وسرورها في جلسات سمر تركمانية .

 

لقد انقطع الشريان الأبهر في جسد كركوك المدينة العراقية ذات الخصوصية التركمانية حتى الغيوم المطلة على سماء القلعة تبدو ، وكأنها قادمة من رحم التاريخ .بعد اليوم لن يختلط هديل الحمام من فوق منارة بويوك جامع ( الجامع الكبير ) مع هديل طيور الحمامات الجاثمة على منارتي جامعي عريان والنبي دانيال ( دانيال بيغمبر ) لن يدلف أحد منذ اليوم من بين تلك الأحياء الأليفة التي تمد يدها إلى بعضها عبر الأطواق .ولن يدلف أحد من سكان القلعة الذين اقتلعوا اقتلاعاً من بيوتهم مرة أخرى إلى يوم الدين إلى أفياء بيوتهم التي تهدمت . محظور عليهم أن يبكوا على أطلالها ، ويخلدونها في قصائدهم ، وخورياتهم ( رباعية شعرية شائعة بين التركمان . تغنى بواحد وعشرين مقاماً .)

 

أي زمن عبق عاشته تلك البيوت في افياء اسوار القلعة الوفية ! رغم نعم الحضارة والتقنية الحديثة ، ظل السكان اوفياء في الحفاظ على الطابع المعماري لدورهم التي تفوح منها رائحة التاريخ . فللتاريخ لغة في هذه المنطقة المغتالة .يواجهك أينما توجهت في أحيائها الخمسة، وبواباتها الأربع . لم يعد هناك من يبحث في أحيائها عن أغنية لم تكتمل أو قصيدة تنتظر الوميض الأخير لتنطلق من عقالها لتتنفس ويبقى من حقنا السؤال : هل من الحكمة والمنطق القضاء على تاريخ أحياء ، وبيوت وذكريات أناسها،وخصوصية منطقة بحجة صيانة وحفظ الآثار، وتشريد سكانها في هذا الزمن الصعب ؟! لقد اعتاد التاريخ أن يعيش جنباً مع جنب مع اولئك الناس الطيبين منذ عشرات القرون ، وظلوا فخورين بالكنوز التاريخية لمنطقتهم . لكن النظام الذي اعتاد دائماً أن يخالف المنطق والمألوف هاهو يعيد الكرة لامن أجل شيء إلا من اجل تغيير الخصوصية التركمانية لمدينة كركوك المدينة العراقية العريقة .

 

منذ أعوام توقف الزمن في قلعة كركوك . امتدت يد الخراب بحجة حماية الآثار إلى تلك البيوت التي تحمل رائحة التاريخ في أعطافها . واضطر أولئك الناس الطيبين الذين تربوا في أفياء القلعة جيلاً بعد جيل منذ عشرات القرون ،إلى مغادرتها عنوة تحت سمع وبصر العالم المتمدن ، لتغرق القلعة الطيبة التي اعتادت على حركة سكان أحياءها الخمسة في وحدة قاتلة ، وهي التي اعتادت ،أن تكون آهلة بالبشر منذ قرون سحيقة قبل الميلاد . يغتال القلعة ، والعالم على أبواب ألفية جديدة . يحكم بالموت على كركوك بإطلاق نيران الغدر على قلبها النابض ( القلعة ) . يلف صمت الموت بيت أولئك الناس الطيبين الذين طالما تغنوا لها ، وخلدوها في ( خورياتهم ) وأغانيهم الشعبية .

 

# # # # #

 

ثمة أغنية قديمة يبدو أن ذلك التركماني الذي أودع فيها لوعته ، كان يقرأ مصير القلعة منذ عشرات السنين في أغنيته الشعبية الخالدة :

 

 

 

ثلاث شجرات تين

 

في أعطاف القلعة

 

في معصمي قيود

 

وفي رقبتي أغلال

 

لا تشد سلاسلي

 

فذراعاي تؤلماني

 

ويبدوالقاص المبدع جليل القيسي في عباراته التالية وكأنه يقرأ ما لقلعة كركوك من مكانة أثيرة في نفوس أبنائها ، وفي وعيهم، ولا وعيهم :

 

(( لقد ولدت على مسمع من ـ القلعة ـ ..ومنذ أن بدأت أعي ، دربت أذني على ( الخوريات ) الساحرة .. وأنا صغير كنت أغني تلك الأغنية الخالدة الذكر (( ليتني كنت حجراً في أساس القلعة / لأصادق أولئك الذين لديهم أخوات حلوات )) أو أغنية (( في أسفل القلعة يزرعون الذرة ويقاسمونها بأنصاف )).حتى الآن كل يوم أغني الخوريات ، وأحلم أن أكون حجراً في أساس القلعة ، ربما من شمس ذلك الحجر أو أساسه أحلق وأحلق .. )) ـ جليل القيسي ،( عن مقابلة مع القاص نشر تحت عنوان ـ الصمت يحتاج موهبة كبيرة ـ)، مجلة الأقلام ـ العدد الثاني 1999 ـ .

 

سلام عليك قلعة كركوك يوم تغتالين ، ويوم تبعثين حية . .. فأنت دائماً في القلب ، والذاكرة.

الرئيسية
المقالات
الاخبار
الادب
الوثائق
حول المنبر
اتصل بنا
اعلانات
إصدارات

المنبر التركماني غير مسؤول عن الآراء المكتوبة ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر

Turkmen Tribune
contact@turkmentribune.com