تركمان العراق |  قضية كركوك  |  حقوق الانسان  |  كتابات مختارة عربي | Trke 
-
الوجود التركماني في كركوك
كنموذج للتآخي الأثني تاريخا وحاضرا

نصرت مردان

قلعة كركوك

تقوم مدينة كركوك القديمة (القلعة) فوق مستوطن أثري قديم ورد اسمه في الألواح المستخرجة منه وعددها ٥۱ لوحاً يعود تاريخها إلى منتصف القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وقد تم العثور عليها في سفح القلعة صدفة عام ۱٩۲٣. وتقول المصادر أن البابليين سموها (أرابخا) وسمى الأشوريون المستوطن القريب منها (أرافا) والتي حرفت في التاريخ القريب إلى (عرفه).

تؤكد الكتابات المسمارية في الرقم التي تم العثور عليها في قلعة كركوك عام ۱٩۲٣ أن مدينة كركوك هي في الأصل مدينة ارابخا ,وهي الدولة المستقلة التي ظهرت في الألف الثاني قبل الميلاد. وكانت تقوم على مجرى نهر (خاصة صو).

تقوم مدينة كركوك القديمة (القلعة) فوق مستوطن أثري قديم ورد اسمه في الألواح المستخرجة منه وعددها ٥۱ لوحاً يعود تاريخها إلى منتصف القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وقد تم العثور عليها في سفح القلعة صدفة عام ۱٩۲٣.

قلعة كركوك، هي المدينة القديمة، وهي من أعرق المناطق التي تضم أحياء يسكنها التركمان منذ القدم . تقع في الصوب الكبير من مدينة كركوك شرقي نهر (خاصة جاي). يبلغ ارتفاعها عن مستوى الأرض المجاورة لها حاولي ۱٨م. تنحدر نحو الأسفل تدريجياً، شكلها العام دائري تقريباً. ولها أربعة أبواب. من الأماكن التاريخية الموجودة فيها:

۱ - جامع النبي دانيال: معروف بمئذنته المعروفة التي يعود تاريخها إلى أواخر العصر المغولي، ويمتاز بناؤه بالعقادات، والأقواس الجميلة التي تقوم على قاعدة مثمنة.

۲ -الجامع الكبير (اولو جامع) ويسمى أيضاً جامع (مريم اَنا) ويعود تاريخه إلى القرن الثالث عشر الميلادي.

٣ -القبة الزرقاء (كوك كنبد) بناء مثمن الشكل ذو طراز معماري جميل حيث تتخلله الزخارف الاَجرية النباتية، مطعمة بالقاشاني الملون، ومزينة بشريط من الكتابة في أعلى البناء من الخارج. يستدل منها أن القبة استخدمت في عام ۷٦۲ هـ ، وتضم رفات الأميرة التركمانية بغداي خاتون.

٤ -جامع عريان: يعود تاريخه إلى ۱۱٤۲ هـ. يقع وسط القلعة، ويتميز بقبته الكبيرة التي تقوم على أربعة أضلاع متساوية، ترتكز عليها ثمانية أضلاع تعلوها ستة عشر ضلعاً، تشكل قاعدة القبة التي يبلغ ارتفاعها خمسة عشر متراً.

٥ -كاتدرائية أم الأحزان: وتسمى أيضاً (الكنيسة الكلدانية) وقد بنيت على أنقاض كاتدرائية قديمة. وهي مشيدة بالحجر والجص. تقوم سقوفها، و أروقتها على أقواس، وأعمدة من المرمر تعتبر بتيجانها الفخمة أية فنية في البناء المعماري. يعود تاريخ بنائها إلى سنة ۱٨٦۲.۱

وأما بخصوص المسيحين الذين كانوا يسكنون القلعة، المسيحين الذين كانوا يسكنون القلعة فهم من اصول تركمانية وليست لهم لغة اخرى. يقيمون بها شعائر الصلاة والعبادة في الكنيسة الخاصة بهم والتي تدعى (قرمزي كيلسه) أي الكنيسة الحمراء، نظراً لوقوعها على تل أحمر. يرتلون صلواتهم باللغة التركمانية من الكتاب المقدس (مدراش).۲

في كتاب (كرد وترك وعرب) لمؤلفه سي. جي. ادموندز (ترجمة جرجيس فتح الله، منشورات جريدة التآخي، ۱٩۷۱) يذكر عن (مسيحيي القلعة) مايلي:

(كانت كركوك في أيام الإمبراطورية الساسانية مركزا مشهورا من مراكز النساطرة، وكرسيا لرئيس أساقفة (بيت كرمي ـ باجرمي). هذه الطائفة يمثلها اليوم (الحديث في العشرينات) زهاء مائة وخمسين اسرة كلدانية. يسكن معظمها في الأحياء القديمة من التل (يقصد به القلعة) يدير أمورها الدينية مطران يدعى اسطيفان جبري. يتزعم الطائفة ثلاثة من أغنياء تجارهم وملاكهم هم: ميناس غريب، قسطنطين، وتوما هندي)

لهم مقام محترم في المجتمع المدينة، أولهم عضو في مجلس الإدارة المنتخب، وهو مجلس كان في عهد الترك ذا صلاحيات واسعة ()وقد فخرت هذه الطائفة إلى ما قبل الحرب العامة بأقدم بيعة للنصارى، وهي (بيعة الشهداء)التي بنيت في القرن الخامس الميلادي تخليداً لذكر شهداء اضطهاد الملك الساساني يزدجرد الثاني ٤٣٨ـ ٤٥۷ م. .))

٦. بوابة طوب قابي: تقع في الجهة الغربية من القلعة، وتطل على نهر خاصه، وهي البوابة الوحيدة المتبقية من البوابات الأربع، ويعود تاريخها إلى اكثر من مائة وخمسين عاماً. تتميز بأقواسها المدببة والنصف دائرية، وقبوها الشبه البيضوي.

۷. البيوت التراثية: تزخر قلعة كركوك بالعديد من الدور التراثية ذات المواصفات النادرة والفريدة. ومن هذه الدور (دار طيفور) التي تمثل الطراز المعماري التركماني القديم. تتكون الدار من ثلاثة دور متداخلة. الأولى ذات أعمدة مرمرية دقيقة، مداخل غرفها، ونوافذها مؤطرة بالمرمر والزخارف. الدار الثانية تتكون من مجاز وسرداب و كوشك، أما الدار الثالثة والتي تسمى (بيت العروس) فتتكون من ردهة صغيرة (طارمة)، وغرفة مستطيلة الشكل. تتميز هذه الدور بعقودها، وأقبيتها، وزخارفها الجصية، والنباتية، والحيوانية. ولكل دار من دور القلعة التراثية ميزات خاصة نكاد لانجدها في الدور الأخرى التي اعتادت ان تروي همومها، وسرورها في جلسات سمر تركمانية.۳

المؤسف هو(القلعة) هدم هذا المعلم الحضاري، التاريخي بحجة حماية وصيانة الآثار، وتشريد سكانها وهدم أحيائها تحت أنظار الرأي العام العالمي الذي أقام الدنيا وأقعدها عند هدم تمثال بوذا في أفغانستان من قبل حكومة طالبان !

قشلة كركوك

)قشلة كركوك) لها حضور طاغ في حياة المدينة فهي لا تزال في مكانها قي قلب كركوك، تطل بصمت من مكانها على أبناء المدينة. ترد لهم التحية في أناء الليل و أطراف النهار، وتنظر إليهم بعين ملؤها المحبة كلمة (قشلة) محرفة من كلمة (قشلاق) التركمانية. وهي متكونة من كلمتين (قش ـ أي الشتاء) و اللاحقة (لاق) تفيد معنى (المكان) و بذلك الكلمة تعني المشتى. إلا انه بمرور الزمن أطلقت هذه التسمية من قبل العثمانيين على كل بناية تضم ثكنة عسكرية.

بنيت (قشلة كركوك) في سنة ۱٨٦٣ وسط المدينة على ارض مساحتها (۱٥۰۰۰ م۲) واحتلت مساحة البناء (٦۰۰۰ م۲) . شيدت في عهد الوالي العثماني محمد نامق باشا عندما كان واليا على بغداد لتكون مقرا للجيش في كركوك. وهي تمثل قيمة معمارية نادرة في العالم، وفريدة في العراق بشهادة المختصين في فن المعمار. تتكون واجهتها الأمامية من ايوانين يتوسطهما المدخل الرئيسي الذي يفضي إلى رواق طويل على جانبيه عدة غرف كبيرة ذات أقواس دائرية قائمة على ثمانية أعمدة حجرية اسطوانية محجلة. تسند البناية من الخارج دعامات مستطيلة الشكل تمتد إلى حد النوافذ. وكانت للقشلة خمسة أبوا ب واسعة. لم يبق منها نتيجة الهدم بحجة حماية الآثار إلا بابين. باب المدخل الرئيسي المطل على الشارع العام و بابان على الجهة الجنوبية الغربية أحدهما (باب الخيالة) و الآخر (باب المشاة). تبلغ مساحة فناء القشلة ۲٩۰۰۰ م۲ وهي بطابقيها مستطيلة الشكل مبنية بالحجر و الجص، وتحتوي على ۲٤ قاعة فسيحة إضافة إلى اثنتي عشرة غرفة هيكلها أعمدة و أقواس و قبب تؤدي إلى رواق بديع الطراز ذات أعمدة مربعة في الطابق السفلي، واسطوانية في الطابق العلوي. تمتاز أقواسها بأنها مدببة و متعانقة.٤

أصبحت القشلة بعد الحرب العالمية الأولى مقرا من المقرات العسكرية للفرقة الثانية (مقر الفرقة الثانية، امرية موقع كركوك، الأنضباط العسكري، الحسابات العسكرية، المستودع الطبي، المحكمة العسكرية، جمعية المحاربين القدماء).

اعتبارا من عام ۱٩٨٦ تم اعتبار مبنى (قشلة كركوك) أثرا تاريخيا هاما يتمثل فيه الفن المعماري الأصيل حيث قامت دائرة الآثار و التراث بصيانتها و الحفاظ على معالمها الفنية. وتم تحويله فيما بعد إلى مركز ثقافي أنشي فيه (متحف كركوك) و (بيت المقام) وجناح خاص سمي باسم (متحف الصمود و التصدي) أشار معظم الكتاب إلى أهمية (قشلة كركوك) المعمارية والفنية حيث أشار الأستاذ خالد الدرة في المجلد ٤٤ من مجلة (سومر) إلى موقعها وتاريخها وطابعها المعماري المتميز مع نشره المخططات و الصور الفوتوغرافية التي توضح البناية من جميع الجوانب. كما يذكر الباحث التركماني المعروف الأستاذ عطا ترزي باشي في مقال له عن القشلة أيضا إلى وجود جامع قديم داخل القشلة بني عام ۱٩۱۲ بتبرعات الأهالي و هدم بعد الحرب العالمية الأولى. كما تحدث في مقال آخر له نشر باللغة التركمانية في نفس العدد بعنوان (كركوك اسكي قشله سي ـ قشلة كركوك القديمة) اكد فيه إلى وجود قشلة أخرى كانت ملاصقة للقشلة الحالية، وكانت تسمى بـ (رديف قشله سي).٥

سوق القيصرية

ينشر التاريخ أريجه فيء آخر من افياء كركوك في الصوب الواقع على حي (المصلى) العريق حيث يقف بشموخ (سوق القيصرية) التراثي الذي يقاسم سكان هذه المدينة الطيبة منذ اكثر من ۱۷۰ عاما حياتهم اليومية.

يقع (سوق القيصرية) على بعد عشرة أمتار إلى الجهة الجنوبية الشرقية من (قلعة كركوك). وقد شيد السوق كمركز تجاري لتسهيل عمليات البيع والشراء لسكان القلعة لبعد هذه المنطقة في تلك الفترة عن مركز المدينة آنذاك. وقد استقطب السوق أرباب الحرف المختلفة و زبائنهم. وقد تم إنشاء السوق على مقربة من بوابة (السبع بنات ـ يدي قزلار قابسي) وهي إحدى بوابات قلعة كركوك. شغل دكاكينها: البزازون، العطارون، النساجون، الخفافون، الخياطون، صباغو الأقمشة و الغزول و الأصواف و باعة المفروشات. .

يتميز السوق كباقي الأبنية التاريخية والتراثية في كركوك معماريا بأقبيته و أقواسه و عقوده و زخارفه. ومن ابرز خصائص قبة هذا السوق تخفيف القوى الضاغطة على الجدران و بالتالي على أساس البناء. وتعلو سطح القيصرية قبب مسطحة في منتصف كل منها فتحة سقفية لأغراض الإضاءة و التهوية. أما الأقواس التي تزين مداخل السوق و دكاكينه فهي من الجص أو من الرخام المدبب. والقيصرية مثل أية بناية تاريخية وتراثية في كركوك لا تخلو من الزخارف التجميلية ورسوم وأفاريز. أما المداخل فهي مؤطرة بأطر رخامية مزخرفة.

لا يمتلك الباحث في الفن المعماري لسوق القيصرية إلا أن يقف مبهورا أمام التقسيم الفلكي الرائع الذي اعتمده ذلك الفنان التركماني المجهول في تصميم هذا السوق. فالدكاكين الـ (٣٦۰) الموجودة في السوق يرمز إلى أيام السنة. و الشقق الأثنتى عشر المبنية فوق الدكاكين ترمز إلى عدد اشهر السنة. و ثمة أربعة و عشرون ممرا يرمز إلى عدد ساعات الليل و النهار. كما أن مداخل سوق القيصرية السبعة تدل على عدد أيام الأسبوع. لم يكتف فناننا التركماني المجهول بذلك بل هداه خياله الخصب إلى أن يجعل أحد المداخل السبعة تستقبل الشمس حين تشرق و آخر يودعها حينما تغيب.٦

كركوك تحتضن التاريخ و تجد فيه ملاذها الآمن. فقد أثبتت التنقيبات و دراسات الآثاريين أن كركوك تضم في حناياها و حنايا اقضيتها و نواحيها (٥٥۰) موقعا و مستوطنا اثريا و ما يقرب من هذا العدد من تلال تضم في بطونها آثارا غير مكتشفة بعد، تنتظر من يرفع عنها ركام الزمن الغابر. وثمة مواقع تراثية في الأحياء الشعبية في مدينة كركوك و أزقتها القديمة، و بيوت ذات طراز معماري فريد، و مرافق تراثية تنتظر بفارغ الصبر يد الاهتمام و الصيانة و الرعاية لحمايتها من التخريب و الهدم لتعيش من جديد، تحت شمس الحياة الساطعة.

خانات كركوك

كانت كركوك بحكم موقعها الجغرافي مركزا تجاريا هاما. حيث كانت محط القوافل التجارية التي تقصدها لشراء سلع وبضائع معينة أو بيعها. وكان رئيس هذه القوافل يدعى (كروانجي باشي)وكانت هذه القوافل بحاجة أثناء انتقالها بين المدن بحاجة إلى أماكن للراحة بعد عناء السفر. وكانت هذه المحطات تدعى بالخان. . كانت الخانات القديمة تحمل طابع الفنادق الحالية إضافة إلى طابع المراكز التجارية التي تعقد فيها الصفقات التجارية. كما كانت في الليالي مسرحا للقاء التجار القادمين من بلدان بعيدة حيث يتجاذبون أطراف الحديث عن الحالة الاجتماعية والثقافية لبلدانهم. وكانت جلسات السمر هذه وسيلة لتقارب الثقافات المختلفة بمختلف أبعادها. وكانت الخانات مخصصة للقوال حسب السلعة التي تود بيعها. لذلك اكتسبت خانات كركوك اسمها من تلك السلع فكان هناك (خورما خاني ـ خان التمر، يوغورت خاني ـ خان اللبن، كومور خاني ـ خان الفحم، قاضي خاني ـ خان القاضي،) وقد تجاوز عدد الخانات في كركوك الخمسة عشر خانا أشهرها (بلدية خاني خان البلدية، كمرك خاني ـ خان الجمارك، أسعدبك خاني، كلباني خاني، كاورلر خاني ـ خان المسيحين، جقور خان، ده ده حمدي خاني، أوقاف خاني صادق صراف خاني، سيدعمر خاني، قورية خاني . ويعتبر (هنديلر خاني ـخان الهنود) أشهر تلك الخانات.

يقع هذا الخان في السفح الغربي من قلعة كركوك قرب (بويوك بازارـ السوق الكبير) بعد ۱٥ متر من مدخل (قازانجيلر بازاري ـ سوق الصفافير). يعود تاريخ بنائه إلى عام ۱٨۷٥. وقد أطلق على هذا الخان اسم (هنديلر خاني ـ خان الهنود) نظرا إقامة الهنود الذين كانوا يزورون الأماكن والعتبات المقدسة في العراق حيث اعتادوا على الإقامة فيها عند وصولهم إلى مدينة كركوك.

عند الدخول من باب الخان الواقع على الشارع الرئيسي من خلال طاق طويل تواجهنا ردهة فسيحة تؤدي إلى ۱٦ إيوانا مزين حسب الموقع بقبة أو قبتين أو ثلاث. الطابق الأول من الخان مخصص لحفظ البضائع التجارية وتضم حظائر للحيوانات. أما الطابق الثاني منه مخصص لإقامة المسافرين حيث أن هناك سلالم من جهات ثلاث تؤدي إلى تلك الغرف. ويضم هذا الطابق ۱۱ إيوانا يعتليه قبة أو قبتان إضافة إلى ۱٤ غرفة للإقامة.۷

تم تحويل الخان تحت إشراف وزارة الإعلام إجراء الترميمات عليه في ۱٩٩٨/ الى سوق عام۱٩٩٩ حيث تم افتتاحه احتفاءا بمرور الذكرى السنوية الأولى لزيارة رئيس النظام لكركوك في ۱/٤/۱٩٩٨ .

المقاهي

كانت للمقاهي زمنها الجميل في كركوك. وكان أشهرها على الإطلاق مقهى (جوت قهوة) الذي كان يتألف من دمج مقهيين لذلك أطلق عليه اسم (جوت قهوة) أي المقهى المزدوج. وكان يرتاده المثقفون والتجار والحرفيون. بينما كان يتوزع الحرفيون وعمال البناء والعمال الذين يعملون بالأجر اليومي في المقاهي الأخرى حيث كانوا يتجمعون فيها. وكان ثمة مقاه في كركوك تنقلب إلى مسرح للحكائيين الذين يروون قصص عنترة ابن شداد، رستم زال، بطال غازي، فضولي، كور اوغلو أو يقرأون قصائد لفضولي البغدادي. كما في مقهى المجيدية أو أحمد آغا. كما كانوا يلعبون فيها الشطرنج والداما والطاولي والورق (كاغدـ باباز). كما كانت المقاهي في كركوك تتحول في أمسيات رمضان إلى محلات للعبة (صيني زرف). وهي لعبة يلعبها التركمان بشكل خاص في ليالي رمضان يوضع (الخرزة) المخبأة تحت أحد الفناجين بين تهليل الحاضرين. وكان سكان الأحياء المختلفة يتبارون في هذه اللعبة كمباراة سكان محلة (القورية) مع محلة (جاي) أو محلة (جقور) أو (زيوة) أو (أوجيلار)أو (بولاغ)أو (بكلر) أو (آخر حسين) أو (صاري كهيه) أو (القورية) أو (بكلر) وغيرها . بل كان الأمر يتجاوز ذلك إلى التباري بين المدن (كركوك) و(أربيل)أو بين أحياء كركوك والمناطق المجاورة من الأقضية والنواحي التابعة لكركوك مثل (تازةخورماتو)، (داقوق) و(طوزخورماتو) حيث يستمر اللعب حتى السحور كانت ثمة تقاليد اجتماعية فلم يكن الشباب يقتربون من المقاهي التي يرتادها الكبار. وكان يتم توزيع القهوة المرة والتمر والجوز والحلوى٨

الديوانيات(ديوانخانه لر)

كانت المقاهي لا تشبع رغبة الكثيرين في المعرفة في قراءة كتاب أو الاستماع إلى إلقاء شعري. كان أصحاب الديوانيات في كركوك من الوجهاء والميسورين أو آهل العلم والثقافة. وكان أصحابها يمتازون إضافة إلى ما تقدم يمتازون بالسخاء وحب الضيافة. إلى جانب أن الديوانيات كانت باستضافة الغرباء. ومن أشهر الديوانيات في كركوك على الإطلاق ديوانية عبدالقادر أفندي الذي اشتهر بكرمه الحاتمي. ويقال أنه حضر إليه في أحد الأيام اثنين من عمال البناء لقياس ديوانه لأن عمه درويش يود بناء ديوانا على غراره. وهنا يطلب منهما مايلي:قولا لدرويش أفندي أن عليه أن يقيس سعة (الصينية)التي أكرم بها ضيوفي بدلا من أن يقيس مساحة ديواني.

ويذكر المؤرخ المعروف محمود الألوسي في كتابه (نشوة الشمول في السفر إلى استامبول)عن كرم أهل كركوك وسخائهم، أن والي كركوك سمع بوجودنا في التون كوبري فأرسل إلينا نجله عبدالرحمن إلينا يدعونا للنزول في ضيافته عند وصولنا إلى كركوك لكننا اعتذرنا لأن عمر بك نفطجي سبقه في دعوتنا، لكننا بأننا سنلبي طلبه بعد وصولنا. حينما وصلنا إلى حيث آبار كركوك ونيرانها الأزلية، حيث استقبلنا مضيفنا على مشارف المدينة ,ولم ينقطع سيل المرحبين بنا بعد وصولنا إلى المدينة مما يعبر عن اصالة أهل كركوك وحبهم لعلماء بغداد. ويذكر الألوسي دعوة سليمان أفندي المفتي الموظف في الأوقاف له، وكيف أنه أكرمهم غاية الإكرام بأطباق من الذهب والفضة ما لذ وطاب من الطعام.

وكانت الديوانيات تستقبل الضيوف الغرباء عن المدينة، ويقوم عامل في الإسطبل في العناية بالحيوانات. كانت أبواب الديوانيات في كركوك مفتوحة على مصراعيها طوال أيام رمضان المبارك حتى وقت الإفطار وأداء صلاة التراويح حيث يقوم رجل دين بدور الإمام أثناء الصلاة. ويذكر باقي آغا كدك زادة، أنه مر في يوم عيد من القلعة إلى (القورية) بـ ٦٣ ديوانا. ومن أهم الديوانيات المعروفة في كركوك: ديوان عبدالقادر أفندي، المفتي درويش أفندي، حسن أفندي، سيد سليمان أفندي، ديوانية قيردار، الحاج مصطفى والحاج محمود اليعقوبي، عمر آغا وأحمد آغا، خالد بك وخورشيد آغا، الحاج علي دميرجي، علي بك والحاج حسن آوجي، كمال زاده لر، الحاج رضا بيرقدار، بويوك حافظ ملا محمد، بكر أفندي قايتاوان، نائب سعيد أفندي، توفيق آغا قوجامان، خادم سجادة، عثمان آغا بيريادي، ملا رضا واعظ، عزيز مردان آغا، عمر آغا ترجيللي، حسن باشا، محمد سعيد آغا، المحامي سيد سلامي أفندي، توفيق آغا قوجامان، ملا صديق ترزي باشي، عبدالقادر يحيى بك، مصطفى سالم عراقي، علي أفندي درويش قزانجي، حاج عارف جلبي، عبدالغني حاج باقي، عبدالوهاب محمود، عبدالله آغا موصلي زاده، ملا سليمان بزركان، حسن آغا حاجي محمد، مختار محمود بك توتونجي، خضر لطفي شيخ كمال، سعدالله تركي، حسن ورفيق أفندي، شيخ علي ابوعلوك. كما تم هذه الديوانيات في الصوب الأخر (القورية):ديوانية عائلة النفطجي، صالح باشا، عمر بك، ناظم بك، حسين بك ومن عائلة صاري كهيه:عزت باشا، ، خليل بك، عبدالرحمن بك. ومن عائلة الهرمزي:بهاء أفندي، الحاج حبيب آغا، الحاج مصطفى بك، الحاج عاشق أفندي. ومن عائلة أرسلان:صديق بك، الحاج مصطفى بك. ومن عائلة تكريت:علي بك، ابراهيم بك وقادر بك. ومن عائلة الجلالي:زينل بك، ثابت بك، شيخ كريم، شيخ غني، محمد راسخ، أحمد آغا يالاوا، طاهر عثمان، عزت تيلجي، سلمان آغا، عبدالله آلتون نالبند، رضا تسينلي. ومن عائلة كتانة:ده ده كتانة، شيخ قدرت أمين آغا، الحاج علي اوطراقجي، ابراهيم آغا بوياغجي. إضافة إلى ديوانية سيد احمد خانقاه، ويوسف كنعان باشا، والحاج زكي بك.

ونظرا لوجود هذا الكم الكبير من الديوانيات فالحاجة للفنادق كانت منتفية.۹

الوجود الثقافي التركماني في كركوك

تمتد جذور الوجود الثقافي التركماني في كركوك بدءا بالأساطير والحكايات الشعبية وانتهاء بالصحافة والقصة والمسرح. وأحاول هنا وبإيجاز شديد أحاول أن أقف حول بعض تلك الملامح:

الأساطير والقصص الشعبية

حملت الأمهات التركمانيات والحكائيين التركمان في مقاهي كركوك الى ذاكرة أبناء المدينة العديد من القصص والحكايات والأساطير في فترات زمنية مختلفة ويمكن تصنيف تلك الحكايات والقصص كما يلي: ۱ـ الحكايات التاريخية: وتدور هذا النمط من الحكايات حول حادث تاريخي معين مثل: فتح استانبول على يد السلطان محمد الفاتح أو حول انتصار صلاح الدين الأيوبي على الصليبين أو وصايا جنكيز خان لأولاده بالتعاون والتآزر إضافة إلى قصص أخرى عن بطولات القادة المسلمين، ويهدف هذا النمط من الحكايات إلى تعزيز مسؤولية الأبناء تجاه أسلافهم وأوطانهم.

۲ ـ قصص الحب والعشق: وتدور هذه القصص حول محور الحب والعشق التي تصور غالبا مكابدات العاشق للفوز بوصال الحبيبة. وأشهر هذه القصص على الإطلاق ملحمة (ارزو وقنبر) التي تمثل علامة مضيئة في تأريخ الأدب الشفاهي التركماني في العراق، وتحتل مكانة متميزة بين الحكايات الشعبية الأخرى. كما أن هذه الملحمة القصصية الخالدة تعتبر مصدرا مهما من مصادر القصة التركمانية والتي نشأ في أفيائها الرحيبة الأجيال التركمانية على مر العصور و القرون. وقد ساهم البحاثة التركماني المعروف الأستاذ عطا ترزي باشي في حفظ هذه الدرة الأدبية من الضياع والنسيان، بعد أن عاشت قرون طويلة في ذاكرة الأمهات التركمانيات بطبعها في كتاب محافظا على نصها الأصلي التراثي كما سمعها تروى على لسان إحدى تلك الأمهات وذلك في سنة ۱٩٦٤.۱۰

ولا ينحصر ثراء التراث القصصي التركماني بهذه الملحمة بل أن سلسلة من الحكايات الشعبية مثل: (كرم واصلي)، (طاهر وزهرة)وملحمة (كور أوغلو) تعكس نظرة التركمان إلى الحب، وتعرفنا بأحوالهم وأنماط حياتهم وتفكيرهم في فترات مختلفة من التاريخ.

٣ـ القصص الدينية: وهي قصص مقتبسة من القرآن الكريم مثل قصة سيدنا يوسف (ع) وقصص عن صبر أيوب وقصص زكريا وسليمان.

٤ـ القصص التعليمية: وهي قصص ذات أهداف تعليمية وأخلاقية في آن واحد مثل قصة (الصياد والعصفور) وبعض نوادر (ملا نصرالدين) وقصص عن الطنطل (قايش بالدر) وعن طائر العنقاء (زمر عنقا) الذي يمثل الخير ويقابل الجميل بجميل.

وبإيجاز شديد تمتاز القصص الشعبية التركمانية بالمزايا التالية:

ـ قصص الحيوان: في العديد من الحكايات الشعبية يقوم الحيوان بالدور الرئيسي، ويقوم ما يقوم به الإنسان. وهنالك حيوانات ترمز إلى الشر مثل الثعبان والوحش والمارد. فالوحش يتسلط على المدينة ويحجز المياه عنها حتى تقدم له ضحية كل يوم. ويتغير دور الثعبان حسب لونه فإذا كان لونه أبيض فهو يمثل الخير أما الحصان فهو دائما الصديق الوفي للبطل في الملمات والمحن. وتساهم القوى الخارقة الهزيمة بالحيوانات، وتكون النتيجة الطبيعية لذلك وضع التبن أمام الأسد، واللحم أمام الحصان، ويظهر البطل لتصحيح هذا الوضع، ويحفظ الأسد بطبيعة الحال الحصان والأسد هذا الجميل للبطل بإنقاذه في المصاعب التي يتعرض لها.

العناصر الأساسية في الحكايات الشعبية التركمانية:

يمكن تحديد العناصر والخواص التالية للحكايات الشعبية التركمانية لها سواء كانت حكايات تاريخية أو حكايات عاطفية أو حكايات اسطورية أو دينية أو تعليمية:

۱ ـ الاهتمام بتتابع الحوادث. بحيث لا تعطى نفس الأهمية للتعبير عن عواطف البطل الذي يتم الاهتمام به من خلال الأحداث التي يتعرض لها. حيث تتداخل الأحداث، وتكون هناك سلسلة من الحوادث داخل الحكاية الواحدة. . فالبطل مهم بما يقوم به من حوادث تؤدي باستمرار إلى تغيير دائم في أساسيات ومسار الحكاية التي غالبا ما تنتهي رغم المصاعب والأهوال بالنهاية السعيدة. وقد تكون الحوادث متداخلة أو تتألف القصة من حوادث متعددة. وفي الحكايات التركمانية البطل الذي يمثل الخير عموما هو دائما مثال للشهامة والبطولة، والشرير دائما قبيح الهيئة والمنظر.

۲ ـ إثراء الحكايات بالحوادث الغامضة والمفاجآت غير المتوقعة والمعجزات والخوارق لشد اهتمام السامع إليها.

٣ ـ البساطة في السرد. فالشخصيات عادية، والحوادث واضحة، والاسلوب واضح ومفهوم

٤ - المعجزات: ترتبط المعجزات في الحكايات التركمانية بالجان والسحر على غرار حكايات الأمم الأخرى.۱۱

القصة التركمانية المعاصرة

تمتلك القصة التركمانية في تراثها الثقافي الثر عراقة الفن القصصي و أصالته فحكايات (ده ده قورقوت) التي يعود تاريخها الى القرن الخامس عشر تحتوي على المغامرات الأسطورية عن بطولات التركمان وحروبهم وفروسيتهم كما تتضمن هذه القصص حياتهم البدائية التي محورها الحروب ونزاع سلاطينهم إلى الحكم والسلطة، وتتألف هذه الملحمة من ۱۲ حكاية. ويقال أن ده ده قورقوت عاش في حياة الرسول (ص)، بينما يذكر البروفيسور يبنيازار أنه عاش في القرن الخامس أو الرابع عشر. ورغم أن قصص الملحمة لا تحدد مكانا وزمانا معينين إلا أن هذه القصص التي كتبت باللغة التركمانية تكشف معلومات هامة عن الحياة الاقتصادية والسياسية للتركمان الأوغوز (الغز) ومعتقداتهم الدينية وحياتهم الاجتماعية، والملاحم البطولية لقبيلة الغز (الأوغوز) التركمانية إضافة إلى حكايات (بطال غازي). كما يمكن اعتبار نوادر (ملا نصرالدين ـ جحا التركي) في الكثير من جوانبها بداية لأصول القصة التركمانية لاحتوائها على العناصر التقليدية للقصة كالأحدوثة و العقدة والحل. كما يجب إن لا يغيب عن اهتمام المهتمين بشؤون القصة اهتمامات الأدباء التركمان، أن ظلت القصة بعيدة عن تلك الاهتمامات بسبب طغيان الشعر على الحياة الأدبية . لذلك لم تتجه جهود الأدباء للاستفادة من تراثهم القصصي و تطوير أساليبها و تقنيتها فترة طويلة من الزمن. ويمكن اعتبار القصص التي نشرت بجريدتي (معارف) و (ايلري) اللتين كانتا تصدران في كركوك باللغة التركمانية في الربع الأول من القرن العشرين نموذجا لبدايات القصة التركمانية. و يمكن اعتبار الأديب فهمي عرب الذي نشر بعض نتاجاته القصصية في تلك الصحيفتين رائدا للقصة التركمانية فلابد من الإشارة أن قصة (بحري مرمره ده مبارزه يي عشق ـ مبارزة للحب في بحر مرمرة) لمحمود نديم كركوكلي و التي طبعت بمطبعة الآداب في بغداد عام ۱٩۰٩ يعتبر أول نص تركماني مطبوع، وهي قصة حب تنتهي بالانتحار بسبب رفض والد الفتاة زواج الحبيبين. كما أن الصحف الصادرة في تلك الفترة لم تخلو من النصوص القصصية على ندرتها. فقد نشرت صحيفة (معارف) في ۱٩۱٣ قصة (كوزلوك ـ النظارة) للكاتبة لبيبة كركوكلي. كما نشرت صحيفة (نجمة) في عددين متتاليين قصة (بلكي كلير ـ ربما يأتي) لميم رفيق، وقصة (خاير كلمزـ لا لن يأتي).۱۲

على الرغم من صدور جريدة (الآفاق) في ۱٩٥٤ و جريدة (كركوك) ۱٩۲٦ ـ ۱٩۷۲، وجريدة (بشير) في ۱٩٥٨ إلا أن القصة التركمانية لم تعش صحوتها الحقيقية إلا بصدور مجلة (قارداشلق ـ الإخاء) في بغداد ۱٩٦۱ حيث بدأت النصوص القصصية (الخطوات الأولى، ۱٩۷٥، دفتر الذكريات ۱٩٨٣، حكاياتهم، ۱٩٨٤).

ساهمت مجلة (الإخاء) في ظهور عدد من لا بأس به من الكتاب اكتفوا بنشر نصوص قصصية دون أن يفكروا بجمعها في كتاب لانعدام دور النشر المتخصصة، وضعف الإمكانيات المادية. وقد برزت على صفحات (الإخاء) نصوص محمد خورشيد داقوقلي، رشيد كاظم الذي يعتبر أول من بدأ بمشروع كتابة عمل روائي (عدالة الرب) إلا انه لم يكمل مشروعه الروائي الهام. كما نشر الدكتور عثمان شنكول عددا لاباس به من القصص في ۱٩٦٣ـ ۱٩۷۷. و مادمنا بصدد الحديث عن القصة التركمانية لا يفوتنا التنويه بأن علي معروف اوغلو هو أول قاص تركماني طبع مجموعته القصصية (اولايلار قونوشيور ـ حوادث ناطقة) في ۱٩٦٣ والتي ضمت سبع قصص امتازت بسلاسة الأسلوب و تطور التقنية القصصية، وعلى الرغم من إعلان الكاتب أن الجزء الثاني من كتابه سيصدر تحت عنوان (وحوش المدينة) عن مجزرة كركوك. ورغم نشره سبع صفحات منها إلا انه لم ينفذ مشروعه. وقد ذكر بعد سنوات طويلة في رسالة خاصة بعث بها في رسالة خاصة بعثها إلى القاص و الشاعر محمد عمر قازانجي، ان السبب يعود إلى قلة عدد المهتمين بالقصة أحال دون اكمال مشروعه الروائي.

كما ساهمت مجلة (الإخاء) إلى ظهور موهبة قصصية مهمة كان من الممكن أن تحتل مكانة مرموقة في عالم القصة إلا إنها آلت إلى الصمت فيما بعد و أعني بها القاص صباح حسن نجم حيث توقف عن الكتابة بعد أن نشر ثمانية نصوص قصصية، امتازت بجدة موضوعاتها و أسلوبها المتميز. و هي كفيلة بوضعه في عداد كتاب القصة المتميزين.

كما تتطلب الموضوعية منا الإشارة إلى جهود القاص مولود طه قاياجي و نصوصه المنشورة في مجلة (الإخاء) و التي جمعها فيما بعد في كتابه المخطوط (سيلك جهره لرـ وجوه شاحبة) لم يتمكن من طبعه حتى الآن. كما تميز قصص موسى زكي مصطفى باسلوبه القصصي المشوق.

مرت القصة التركمانية بفترة ركود بعد توقف اغلب الكتاب المنوه عنهم أعلاه عن نشر نصوصهم القصصية استمرت حتى عام ۱٩٨۰ حيث تبعت هذه الفترة صحوة حقيقية تجلت في زيادة عدد القصص المنشورة كما و نوعا في جريدة (يورد ـ الوطن) الأسبوعية فظهر جيل قصصي جديد يعي أهمية القصة، و يتمكن من التعامل مها اسلوبا و تقنية و موضوعا أن القصة التركمانية تعتبر بما بلغته من مستوى يدعو إلى التفاؤل. وهي تعمل رغم كل المصاعب للوصول إلى النقطة المضيئة التي بلغتها القصة المعاصرة عامة.۱۳

إن كتاب القصة التركمانية قحطان الهرمزي، صبحية خليل زكي، مولود طه قاياجي، حمزة حمامجي اوغلو، عصمت ئوزجان، نصرت مردان، يشار كمال بياتلي، محمد عمر قازانجي، كمال سليمان بياتلي، متين عبدالله كركوكلي، جلال بولات، سلمىابلا و غيرهم يؤسسون اليوم بكل عزيمة صرح القصة التركمانية المعاصرة في العراق.

القصة التركمانية اليوم تسابق الزمن و تختصر المسافات بينها و بين قصص الأمم الأخرى لتكون جديرة بالانتماء إلى ثقافتها المعاصرة، وجديرة بحمل هويتها الوطنية.

المسرح التركماني المعاصر في كركوك

اشتهرت كركوك منذ القرن التاسع عشر بين المدن العراقية، بأنها مهد المقامات العراقية. حيث أن اعتاد سكانها على غناء (الخوريات) وهو نمط شعري رباعي يعتمد على الجناس يغنى بواحد وعشرين مقاماً غنائياً. وقد ذاع صيت قاريء المقام (شلتاغ) الذي غادر كركوك على اثر ارتكاب جريمة فيها، فلجأ إلى والي بغداد آنذاك الذي حماه بعد أن أعجبه رخامة صوته وحلاوته، فأثر على أجيال متعاقبة من قراء المقام في بغداد.

في الربع الأول من القرن العشرين تم نصب توزيع عدة مكبرات للصوت من خان القاضي في محلة (بولاغ)قرب خان القاضي (قازي خاني) موزعة على مناطق عديدة. وكان ذلك بمثابة أول إذاعة محلية بدائية غنى فيها المطربون التركمان أغانيهم ومقاماتهم. كما كان يتم إذاعة فواصل فكاهية، وأحاديث دينية وفقرات أخرى من قبل: جمال نالبند و عثمان خضر (صاحب مقهى ۱٤ تموز الذي كان أول ضحايا مجزرة كركوك في ۱٤ تموز ۱٩٥٩) والمطرب التركماني المعروف صديق بنده غفور. كما أن ظاهرة الحكائيين ظلت ملاصقة لمقاهي كركوك حتى بداية الستينات. ومن أهم الحكائيين التركمان (طوبال ملا محمد، وملا امين وملا شاكر وملا بوياغ وغيرهم). ويذكر من باب الطرائف أن صاحب (جوت قهوه ـ المقهى المزدوج) كان يوزع الحلوى على الحضور حينما كانت قصة (عنتر ابن شداد) تنتهي النهاية السعيدة بانتصار عنترة وزواجه من حبيبته عبلة.

اشتهر حي (بولاغ) و (جوت قهوة) و (قازي خاني ـ خان القاضي) بتجمع هواة المسرح. حيث أقاموا على مرتفع يقع أمام الخان مسرحاً، أعدوا له ستارة تفتح وتغلق باليد قدموا عليه حكايات فولكلورية وهزلية بهدف إضحاك الجمهور الذي كان يحتشد لمشاهدة ما يقدم من على خشبة من مسرحيات بسيطة. والتي تعتمد أغلبها على ارتجال النكات وارتجال مواقف فكاهية اكتر من اعتمادها على نصوص تتوفر فيها عناصر ومقومات الفن المسرحي الذي لم يكن غريباً على التركمان. وخاصة مسرح(خيال الظل).

يعتبر (خيال الظل) بداية للمسرح التركماني. كما يؤكد ذلك جورج جاكوب أن هذا المسرح قد انتقل من الصينين إلى المغول وانتقل منهم إلى أتراك آسيا الوسطى فعبارة الذين كانوا يطلقون اسم (قاورجاغ ـ Kavurcak ) على هذا النمط من المسرح وذلك لاعتماده على دمى متحركة خلف ستارة بيضاء مضاءة من الخلف. ولا يزال التركمان في العراق يسمون الدمية بـ (قاورجاغ). ويؤكد نفس المؤرخ أن فن الظل وصل إلى كل منطقة وصل إليها الأتراك عن طريق الهجرات المتلاحقة لهم من آسيا الوسطى أولاً ثم عبر الأناضول ثانياً.

ولعل أقدم وثيقة تؤرخ التاريخ المسرحي في كركوك هو الإعلان الذي نشر في جريدة (نجمة) باللغة التركمانية في عددها ٥۲۲ الصادر في ۱۱ تموز ۱٩۲۱ عن تقديم مسرحية (أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب و الأرملة) من قبل طلبة مدرسة (ظفر). كما يؤكد ذلك الباحث التركماني المعروف عطا ترزي باشي.

كما قدمت مسرحية (طرشجي ـ بائع الطرشي) باللغة التركمانية في نهاية الثلاثينات من تأليف: عبدالقادر خلوصي كفرلي (نسبة إلى بلدة كفري) وإخراج موسى زكي مصطفى.

ازدهرت الحركة المسرحية في المدراس حيث تشكلت الفرق المسرحية المدرسية على اعتبار المسرح كأداة تربوية، تغرس في النفوس معاني الفضيلة، وكانت لزيارة فرقة حقي الشبلي لمدينة كركوك في نهاية العشرينات وبداية الثمانينات دورها البارز في قيام الفنانين التركمان من أمثال: زهدي علي (الذي عمل فترة في فرقة حقي الشبلي، وله مراسلات معه أثناء دراسة الشبلي في باريس) وموسى زكي مصطفى و فاتح شاكر ساعتجي. وقد قدمت الفرقة عداً من المسرحيات منها مسرحية (السلطان عبدالحميد) في المسرح الصيفي لفندق ـ أحمد بالاس ـ في تموز ۱٩٣۰. وكان الفنان زهدي قد تعرف على الشبلي أثناء أثناء زيارة فرقتة لبلدة كفري ( يقع في جنوب شرق كركوك)، وكان الفنان اللبناني المعروف بشارة واكيم عضواً في الفرقة. كما كان يرافقها الفنان العظيم محمد القبانجي (الذي كان يغني بين الفصول على عادة المطربين في تلك الفترة).

كما أن الفرقة المسرحية التي أسسها الرواد في ۱٩٣٤ ـ ۱٩٣٨ قدموا عدداً من المسرحيات العربية والتركمانية منها: (ماجدولين)و(الشاعر) و(في سبيل التاج) للمنفلوطي، والمسرحية التركمانية(أواه ياسكيري) وقدمت جميعها على مسرح مدرسة المركزية (مكتبة كركوك العامة حالياً).۱٤

ونظراً لقلة الوعي المسرحي وقلة القاعات فقد ظلت الحركة المسرحية في كركوك بين مد وجزر ولم تعش ازدهارا حقيقياً إلا في الخمسينات حيث تورد جريدة (البشير) التي كانت تصدر باللغتين العربي والتركمانية بأنه قد تم اعتباراً من ۲۲ أيلول ۱٩٥٨ ولغاية ۱۷ آذار ۱٩٥٩ تقديم أكثرمن ۱٥ مسرحية. وقد شهدت القترة نفسها ازدهار الحركة المسرحية في بغداد أيضاً. حيث نالت مسرحيات يوسف العاني شعبية واسعة مثل (رأس الشليلة)، (فلوس الدوة)، (تؤمر بيك) وغيرها. وقد تم ترجمة بعضها إلى اللغة التركمانية. وقد شكل الفنان عصمت الهرمزي (رائد المسرح التركماني المعاصر) فرقة مسرحية تركمانية لأول مرة في تاريخ العراق المسرحي (فني شانه طاقمي ـ فرقة المسرح الفني للتمثيل) بالاشتراك مع أنور محمد رمضان وأحمد خليل الحسني واَيدن شاكر العراقي. كما مثل مسرحية(الفنان) باللغة الإنكليزية مع القاص المعروف جليل القيسي والذي كان في الوقت نفسه مؤلف المسرحية . وقد حققت الفرقة نجاحاً كبيراً سواء في المسرحيات العالمية التي مثلتها أو في المسرحيات التركمانية مثل مسرحية (بايغوش ـ البوم) ومسرحية (يني عمر ـ حياة جديدة) المقتبسة من إحدى مسرحيات يوسف العاني ومسرحية (ياايشيقده يا قرانلقدا) عن مسرحية يوسف العاني أيضاً (لو بسراجين لو بالظلمة). كانت جميعها من إخراج الفنان المسرحي الرائد عصمت الهرمزي.

أنزلت مجزرة كركوك ۱٤ تموز ۱٩٥٩ ضربة قاصمة بالحركة المسرحية التركمانية. فقد قدمت فرقة المسرح الفني في أواخر ۱٩٥٩ مسرحيتي (حسن أفندي) و (بيتميه ن مصال) من اخراج الهرمزي أيضاَ. وكان هذا أخر عمل مسرحي للهرمزي الذي توجه إلى تركيا لدراسة الإخراج المسرحي في أنقرة. بعد أن دب الخلاف بين أعضاء الفرقة.

ويتطلب الأمر هنا التوقف قليلاً عند الدور الريادي المسرحي لعصمت الهرمزي الذي بدأ اهتمامه المبكر بالمسرح فعمل وهو في السادسة عشرة من العمر في قسم ـ التركيز ـ بشركة النفط في كركوك. ليتمكن من جمع نفقة دراسة المسرح في أمريكا. ويذكر في حديث إذاعي له بأنه كان يعمل في الورديات المسائية التي كانت تستمر من الساعة التاسعة ليلاً وحتى الساعة الخامسة صباحاً قرب نيران(باباكركر)، وحينما كان يكون لوحده فإنه كان يقف أمام تلك النار الأزلية التي تعتبر مسرحه الأول وهو يمثل بصوته الجهوري مقاطع من مسرحيات شكسبير مثل (هاملت)و (ماكبث) و (عطيل).۱٥

. ويذكر أيضاً أن الفنان حقي الشبلي حضر عام ۱٩٥٩ عرضي مسرحية (أغنية التم) لجيخوف ومسرحية (ينكي عمر) باللغة التركمانية. وقد القى الشبلي كلمة في نهاية العرض قال فيها:

((ليست هذه أول مرة ألمس فيها النشاط التمثيلي في هذا اللواء الزاهر. وإنما كان و لايزال لواء كركوك في مقدمة ألوية العراق في إنتاجه الفني . . وسأحمل ذكرى هذه الليلة في قلبي مدى الحياة. كما أشكر الفنانين التركمان في لواء كركوك، لما لمست فيهم من حب عميق للمسرح)).

في عام ۱٩٦۱ سافر عصمت الهرمزي بعد أن تم قبوله بقسم المسرح في ـ كونسرفاتوار أنقرة ـ. بعد انتهاء دراسته عاد إلى العراق وفي ذهنه التفرغ تماماً للعمل المسرحي من خلال إنشاء فرقة مسرحية تركمانية. ويذكر الهرمزي في اللقاء الإذاعي نفسه بأنه حينما راجع المؤسسة العامة للمسرح والتلفزيون عام ۱٩٦۷ للحصول على الإجازة المطلوبة لتشكيل الفرقة، فوجيء بتجاهل شديد من قبل الشبلي الذي كان مديراً عاما ًللمؤسسة المذكورة. حيث رفض الموافقة على تشكيل فرقة مسرحية تركمانية بكركوك والتي كان الهرمزي يخطط أن ينظم لها عروضاً في المناطق التركمانية مثل: تلعفر وطوزخورماتو وقرى البيات ومندلي والسعدية وغيرها.

بعد هذه الصدمة عاد الهرمزي أدراجه إلى أنقرة. حيث عمل كممثل ومخرج في مسرح الدولة بأنقرة، كما أصبح لفترة نائباً لمدير مسرح الدولة بأنقرة.

بعد رحيل الهرمزي عاش المسرح التركماني فترة من الركود فعلى الرغم من تخرج عدد كبير من الشباب من معهد و أكاديمية الفنون الجميلة مثل: أنور محمد رمضان، تحسين شعبان، هاشم زينل، فاضل الحلاق، يلماز شكر، عماد بهجت، عبدالله جمعة، محمد قاسم، حسين علي غالب. إلا أن نشاطاتهم انحصرت في تقديم نصوصاً مسرحية محدودة. كما أن الفرق التي كانوا يشكلونها لم تكن تعمر طويلاً بسبب الخلافات وعوامل الغيرة الشخصية.

العصر الذهبي للمسرح التركماني المعاصر تعتبر فترة السبعينات من أكثر الفترات التي مر بها المسرح التركماني تألقا وإبداعاً. فقد انتهز الفنانون التركمان قرار الاعتراف بحقوقهم الثقافية في ٤۲ كانون الثاني من عام ۱٩۷۰ فقدموا طلبات لتشكيل فرق مسرحية وأهم هذه الفرق هي (توركمن ميلي طاقمي ـ الفرقة القومية التركمانية)و فرقة (باباكركر للتمثيل) في ۱٩۷۰.

ضمت الفرقة الأولى أعضاء من فرقة عصمت الهرمزي من أمثال: أنور محمد رمضان، صلاح نورس، أيدن شاكر العراقي، أنضم إليهم فيما بعد عبدالله جمعة، محمد قاسم، عبدالرزاق الهرمزي، محمد قوشجو اوغلو، والفنان المبدع حسين دميرجي وغيرهم. وساهمت الفرقة إضافة إلى تقديم العروض المسرحية بتأسيس فرقة موسيقية ساهمت في تعليم الموسيقى للشباب الذين انضموا إلى كورال الفرقة وفق أسس علمية بقيادة الموسيقار جلال وندي. وكانت لها دور مؤثر في بما قدمتها من أغاني و الأوبريتات في ظهور عدد كبير من المطربين أثروا الأغنية التركمانية ومنهم: فتح الله التون سه س و يشار مصطفى كمال و ييلماز أرول ونجدت كفرلي. والجدير بالذكر أن الفنان فتح الله التون سه س(فتح الله أحمد) حصل على الدكتوراه في الموسيقى فيما بعد وكان من أوائل من لحن للفنان الكبير كاظم الساهر حينما كان مطرباً مغموراً في كورس الجيش، حيث يعد أول من اكتشف طاقاته الصوتية الهائلة في الألحان التي وضعها له كمقدمة لبعض المسلسلات التلفزيونية العراقية. كما قاد فرقته الموسيقية فيما بعد عدة سنوات بعد انتقال الساهر إلى القاهرة. قدمت الفرقة عروضاً مسرحية هامة كتبها جميعاً صلاح نورس (وهو في الوقت نفسه من أبرز شعراء التركمان) ومنها:

(تمبل عباس ـ عباس الكسلان)، (بازار اغاسي ـ سيد السوق)، (ياراسا ـ الخفاش)، (الأستاذ تاران)، (جارشي ـ السوق)، (حكيملر صاغ اولسون ـ ليعش الأطباء)، (يولجولار ـ المسافرون). كما قدمت الفرقة مسرحيات لكتاب آخرين: (بتميه ن كيجه ـ ليلة لاتنتهي) لقحطان الهرمزي، (بايرام اقشامي ـ مساء العيد) تأليف وجدي كدك وإخراج: محمد قاسم، (مرديوان ـ السلم) لنفس المؤلف وإخراج عبدالرزاق الهرمزي. إلا أن المسرحيات التي كتبها صلاح نورس وابتدع فيها شخصية (تمبل عباس ـ عباس الكسلان) حققت نجاحاً ساحقاً بحيث أصبح ممثل الدور (حسين دميرجي) يكنى بها بين المواطنين. لقد كان إقبال الجماهير على مشاهدة المسرحيات التركمانية فوق الوصف.

كما قدمت( فرقة باباكركر) في نفس العام ۱٩۷۰ مسرحيات عديدة منها:

(شمندفر ـ القطار) لنصرت مردان ومن إخراج تحسين شعبان، (ده لليلر دختوري ـ طبيب المجانين) لياوز الهرمزي واخراج هاشم زينل ؛ (التي الليغ ـ ست دراهم) عن مسرحية يوسف العاني إخراج هاشم زينل، (غيورلر باده سي ـ كأس الغيارى) تأليف وإخراج تحسين شعبان، (اَت سيوه نلرين شارقسي ـ انشودة الذين يعشقون الحصان) تأليف نصرت مردان وإخراج هاشم زينل، (يمان فلك ـ القدر الغادر) ييلماز بك اوغلو وإخراج زين العابدين حسيب كوبرلو، (اوينباز عزة ـ عزالدين المخادع) أحمد اوطراقجي اوغلو، (بينده بيرـ مرة في الألف) ييلماز بك اوغلو إخراج عماد بهجت، (إملا درسي ـ درس الأملاء) ترجمة مولود طه قاياجي (عن تمثيلية محو الأمية لسليم البصري) إخراج غائب حيدر، (وقت واركه ن ـ لايزال ثمة وقت) أحمد اوطراقجي وإخراج حسن علي غالب.

لكن هذا النشاط المتزايد للمسرح التركماني مالبث أن أصيب بضربة قاصمة غير متوقعة، حينما تم اعتقال الفنان المسرحي حسين دميرجي الذي اشتهر بأدوار (تمبل عباس ـ عباس الكسلان) وقتل أثناء تعذيبه في مديرية أمن كركوك. حيث ألقيت جتثه قرب محطة تلفزيون كركوك، وأعلن فيما بعد أنه قتل حينما كان يحاول إلقاء قنبلة على المحطة المذكورة التي كانت تقع آنذاك في ضواحي كركوك.

على أثر هذا الحادث الأليم أنفرط عقد (الفرقة القومية التركمانية) والذي كان المرحوم حسين (۲٣ سنة) أحد أعضائها ثم ما لبث أن لحقت بها الفرق المسرحية التركمانية الأخرى. وغرق المسرح التركماني في صمت قاتل دام أكثر من عشرين عاماً.

لكن القدر كان رحيماً بالمسرح التركماني ففي ۱٩٩۲ وافقت الجهات المعنية بالمسرح على طلب نقابة فناني كركوك (التأميم) بتشكيل فرقة مسرحية تركمانية تحت اسم (فرقة القلعة للتمثيل). حيث تم تقديم مسرحية (مجالا) عن حياة أحد أشهر المطربين التركمان في القرن التاسع عشر، والذي حكم عليه بالموت بعد أن أتهم بقتل أحد الأشخاص. حيث نفذ به حكم الإعدام بمنطقة قلعة كركوك من تأليف صلاح نورس وإخراج نهايت جلالي. وقد استقبلت بحفاوة بلغة من التركمان المتعطشين للمسرح، وعرضت لأكثر من اسبوعين. وهي فترة قياسية خاصة أن العروض المسرحية السابقة في أوج تألق المسرح التركماني لم يكن يتجاوز عرضها ثلاثة أيام.

بعد شهر تم عرض مسرحية (صومباقلي كونلر ـ أيام العبوس) لجلال بولات وإخراج ياوز فائق. وفي أيلول ۱٩٩۲ عرضت مسرحية (ايكو) لنصرت مردان واخراج أحمد قوشجي اوغلو. وتناولت استغلال الشخصية الرمزية (ايكو) لنفوذه لإبطال الحق، وإحقاق الباطل بأسلوب جريء لم يسبق له مثيل في المسرح التركماني أو العراقي على حد سواء . لم يوافق الأعضاء التركمان في الفرقة على عرضها خوفاً من تعرضهم للمسائلة إلا أن الناقد المسرحي عواد علي رئيس لجنة فحص النصوص المسرحية، أجاز النص و أعلن أنه سيتحمل كل مسائلة حول الموضوع. واستدعي مرتين بسبب ذلك إلى أمن كركوك لسؤاله عن طبيعة المسرحية، بعد إرسال مخبرين من مديرية الأمن لثلاث ليال متتالية لرفع تقرير عن المسرحية فيما إذا كان فيها انتقاد موجه للنظام أم لا. ولم يتركوه إلا بعد تعهد خطي ثان منه. ولم يحضر المؤلف إلا عرضين من مسرحيته عاد بعدهما إلى مقر عمله في أربيل، وبسبب ذلك لم يتم التحقيق معه.

وكان من المؤمل عرض المسرحية في المناطق التركمانية إلا أن المحاولة باءت بالفشل في طوزخورماتو وتلعفر لعدم وجود قاعة مناسبة. ورغم أن نادي الإخاء التركماني في الموصل وافق على تبني عرض المسرحية، وتم تحديد يوم العرض، وبيعت البطاقات إلا أن العرض الغي في نفس اليوم بعد وصول تقرير سلبي حولها من أمن كركوك. فاضطرت الفرقة إلى العودة إلى كركوك. كما لم تعرض من تلفزيون كركوك رغم تسجيلها حياً. حيث قدمت لجنة الرقابة في التلفزيون ومعظم أعضائها من التركمان تقريراً يفيد أن ((المسرحية تحتوي على مشاهد وحوارات مبهمة ورموز يمكن أن يساء فهمها )). رغم ذلك عرضت المسرحية لمدة عشرة أيام في كركوك.

ومن المفيد أن اذكر هنا أن المسرحيين والمؤلفين التركمان في كركوك واصلوا في لحظات الحظر التي استمرت عشرين عاماً لم يصمتوا بل ظلوا في تواصل دائم مع المسرح فقدموا نصوصاً مسرحية عربية وعالمية مثل (زفير الصحراء) لجليل القيسي واخراج سعيد جبار، (الناقوس) نصرت مردان وإخراج أنورمحمد رمضان، (ورد جهنمي) لطه سالم .

يواصل المسرح التركماني المعاصر مسيرته حيث تم تقديم من فترة ۱٩٩٦ ولغاية بداية ۲۰۰۰ حوالي ۱٦ مسرحية. سيرته بثقة ليس في كركوك فقط بل في أربيل أيضاً. حيث تتواصل عطاءات الفنانون التركمان، ويواصلون عروضهم بثقة اكبر، وكأنهم في سباق مع الزمن، محاولين تعويض فترة الصمت الإجباري الذي فرض على مسرحهم لعشرين عاماً كاملة [1].

الشعر التركماني

يواصل تركمان العراق عطاءهم الثر في كافة المجالات الثقافية والأدبية، لتأسيس ثقافة إنسانية معاصرة وأصيلة قائمة على تراثهم الشعري والثقافي الموروث والمتواصل منذ قرون عديدة على هدى أسلافهم الذين خدموا الثقافة والأدب والفكر الإنساني.

إلا آن ما يدعو إلى الآسف حقاً هو عدم إيصال مساهماتهم في الفكر والثقافة على مر العصور إلى المثقف العراقي خاصة والمثقف العربي عامة بالشكل المطلوب، رغم كونهم جزءاً لا يتجزأ من تاريخ العراق وشعبه.

يعتبر الشاعر عمادالدين نسيمي (۱٣۷۰ ـ۱٤۱۷)المولود بمنطقة ـ نسيم ـ بضواحي بغداد، المؤسس الحقيقي للشعر التركماني ومن أكبر الشعراء في تاريخ ادب الشعوب الناطقة بالتركية إلى جانب كونه شخصية بارزة في الفكر الإسلامي وخاصة في الدول الناطقة بالتركية. كما تكشف قصائده التي كتبها باللهجة التركمانية (وهو أول شاعر يكتب قصائده بها في القرن الرابع عشر) إطلاعه الموسوعي على معارف عصره. ويعتبر نسيمي في الوقت ذاته داعية وشخصية قيادية في المذهب(الحروفي).

حينما وضع الشاعر التركماني الكبير محمد فضولي البغدادي ( ۱٤٤٨ ۱٥٥٦) توقيعه على علىالشعر التركماني، قبل أن يوارى الثرى في كربلاء على مقربة من قبر الإمام الحسين، لم يكن يدري أنه يضع بذرة مباركة في تربة الشعر التركماني العراقي و فضائه. وكان هو بدوره قد ورث الوهج الشعري من الشاعر التركماني العظيم عمادالدين نسيمي (۱٣۷۰ ۱٤۱۷ م) الذي ولد في بغداد، وقتل بسبب معتقداته الحروفية في حلب.

ورث التركمان يرثوا وصالهم مع الشعر. بل من جديهم الخالدين نسيمي و فضولي اللذين يعتبران أعظم رواد الشعر التركماني ليس في وطنهم العراق فحسب بل في شعر مل الدول الناطقة بالتركية . فهم بالأصالة عراقيون يعيشون في العراق منذ عشرات القرون.۱۷

لقد ظل الشعراء التركمان وعلى مر العصور اوفياء للاسلوب الكلاسيكي الذي انتهجه هذين الشاعرين. فبرز في القرن الثامن عشر الشاعر نورس قديم، وفي القرن التاسع عشر الشاعر صافي عبدالله. . بل ان تأثير هذه المدرسة (الديوان) استشرى الى عصرنا الراهن واضعا بصماته و أنفاسه في نصوص: خضر لطفي، هجري ده ده، أسعد نائب، رشيد عاكف الهرمزي، محمد صادق. ورغم التقليدية التي تمتاز بها تلك النصوص إلا أن الانتماء إلى الوطن كان هما مشتركا و تأكيدا للذات. كما في هذا النص للشاعر هجري ده ده (۱٨۷۷ ۲٩٥(۱:

وطني فردوس، والغربة جحيم

لن أبيع فردوسي بنيران الجحيم

أباهى بلغتي الدنى

لن أغير ردائي بألف رداء من الأطلس الزاهي

كل (قوريات) عندي مثل انغام داود

كل قافية فيه بمثابة كوكب عشتار.

كلمة (قوريات) الواردة في النص أو (خوريات) كما تسمى احيانا نمط شعري مؤلف من أربع اشطر و سبعة مقاطع صوتية وفق حساب التهجي، موزون و مقفى، ويتسم بالوحدة العضوية، و يعالج موضوعات حياتية. يولع بقوله معظم التركمان الشاعر منهم و الأمي. وهو نمط خاص بالتركمان في العراق ينكبون عليه تأليفا و إنشادا من خلال مقامات مختلفة.

للشعر التركماني أوزانه الخاصة و التي تطلق عليه اسم أوزان (الهجا) وهي العروض القومية للتركمان و التي استبدلت بأوزان العروض العربية بعد دخول التركمان الاسلام. لكنها استعادت مكانتها مع الزمن. و المعروف أن (مسلة اورخون) و كتاب (ديوان لغات الترك) لمحمود الكشغري اعتمدا على هذا الوزن. وثمة قائمة طويلة من الشعراء الذين يعالجون مواضيع تقليدية و معاصرة في نصوصهم الشعرية اعتمادا على هذا الوزن و منها: عزالدين عبدالله بياتلي، مصطفى كمال أحمد، علي معروف اوغلو، محمد عزت خطاط حسام حسرت، فاروق كوبرلو، مصطفى ضياء، صلاح نورس، رضا جولاق اوغلو، سيف الدين بير اوجي. . في قصيدة (و أسفاه) يخط توفيق جلال اورخان (۱٩۰٥ ـ ۱٩٨۱، اربيل) الطابع التقليدي لبعض نصوص هذا التيار:

افتح صفحات من دفتر العمر

ما اتعسني. . أشفق على ذاتي

لا بيت يأويني

ما دمت قادرا على المسير

لتكن القصور لكم

لا تهتموا بظمئي

استمروا في تناول الشمبانيا

لتكن هذه الحياة لكم

تكفيني الدموع في المآقي

اشربوا هنيئا مريئا في هذا العالم

فقط قولوا لنا الوداع

حينما نكون على حافة الموت!

و في ذات الغاية الشعرية يحدد سعيد بسيم دميرجي (۱٩۰۲ ـ ۱٩٥٦ كركوك) همه في نصه الشعري:

اقبل الخريف، فتساقطت أوراقي

سقطت الحرائق على أغصاني

من غضبي صرت بركانا

احرق لهيبي كل مكان

ليته أحرقك أنت

أيها الوحش. . !

و مثلما هو الأمر بالنسبة لأية حركة شعرية، فان صراعا في الشعر التركماني أيضا بين الشعراء الذين يصوغون قصائدهم بالقوالب التقليدية، وشعراء يؤمنون بالحداثة و المعاصرة. و قد تمكن شعراء الحداثة والجدة في الشعر التركماني من صنع و إعداد الأسس لثورة الحداثة، ورسم القصيدة الجديدة، وخلق كيانه المتميز، وقاموا ردود الفعل حول القصيدة التركمانية الجديدة. و تمكنوا بذلك من المحافظة على مسيرتها و إغناء تجربتها الإبداعية. كما تمكنوا من رفد القصيدة التركمانية الحديثة بدماء جديدة و تغذيتها بالاتجاهات المعاصرة. وبذلك فان هذه التجارب فان هذه التجارب أخذت تحمل روح الحداثة بعد أن أمتلك اكثر شعرائها وعيا فكريا و فنيا ناضجا، نتيجة اطلاعهم على الحركة الشعرية العراقية و العربية و العالمية عن كثب. ومن شعراء هذه المرحلة:

نسرين أربيل، قحطان الهرمزي، محمد عمر قازانجي، عصمت اوزجان، نصرت مردان، رمزي جاووش اوغلو، مصطفى ضياء، حمزة حمامجي اوغلو، اسماعيل ابراهيم. . وغيرهم

يعتبر الشعر ضيفا دائم الحضور في معظم البيوت التركمانية. وهو كائن ليس بغريب الأنامل والهامة والمظهر عنها . . فكل تركماني معتاد على حضوره ووجوده. . وليس من المبالغة القول أن هناك فردا في العائلة التركمانية يتعامل مع الشعر (خاصة الخوريات) حسب رؤاه و ذائقته الشعرية.

و اليوم، فالشعر التركماني ينمو و يؤسس وجوده، ويسعى للتفرد صوتا و فعلا ووجودا.

و الإصرار على كتابة الشعر بلغة قومية صافية، خالية من التعقيد و الغموض المفتعل و التقليد الفج، يمنح للأصوات الشعرية الحياة و الانفتاح على آفاق رحبة جديرة بالانتماء للأصوات الشعرية المسكونة بهاجس الدفاع عن وجودها الحياتي و الشعري معا. . وهو يذلك يجعلها جديرة باهتمام القاريء العربي عبر حضورها الإبداعي في حياتنا الأدبية الراهنة.

المعاصرة و الحداثة في الشعر التركماني تشكلان الخيط المشترك الذي يجمع بين النماذج التي تم اختيارها و لا تعتبر هذه النصوص الشعرية المختارة أفضل ما كتبه هؤلاء الشعراء لكن الاختيار يأتي من عن اعتبار هذه القصائد الأكثر دلالة و شمولية في تجربة كل شعراء.

إن الشعر التركماني المعاصر كقضية شعر يأخذ مداه مع القصائد الإبداعية لشعراء مبدعين أيضا. و ليس صدفة إن جهود الشعراء التركمان المعاصرين هي محاولات مخلصة لتلخيص تطور الشعر التركماني المعاصر. . وهي في الوقت نفسه، محاولة مخلصة لرفع حالة الحصار و الصمت عنه، وهي في الوقت نفسه تؤكد المسافة الطيبة المنجزة شعريا في التجربة الشعرية التركمانية.

إن الشاعر التركماني الذي ينطلق من وعي محدد، يحاول أن يطرح قضية يجند في سبيلها جميع العناصر المتاحة. القصيدة التركمانية مثل أية قصيدة في العالم تحمل دلالاتها و معناها في تأكيد الحداثة و الإدراك باعتبارها دليلا على أصالة الذات الشعرية. وهي أيضا تكشف عن مواقف ورؤى و مبادئ يؤمن بها الشاعر. وبذلك، فالنص الشعري يصبح حجة على الشاعر، وكاشفا عن نواياه و دليلا على مقصده. الشعر التركماني ولد من خلال المعاناة. وبالمعاناة اخذ ينمو وينضج معانقا التجارب الإنسانية الثرة. وهي معاناة تجلب مضامينها باستمرار من خلال قدرته على اكتناز معان إنسانية ناضجة، موجها أنظاره إلى حافات العالم الأربع.

ورغم صدور بيان شعري عن جماعة (شفق)الشعرية عام ۱٩٩۰. من قبل الشعراء:

عصمت اوزجان، محمد عمر قازانجي و نصرت مردان، فان شعراء هذا التيار الشعري التي دشنوا آراءهم الشعرية بضرورة عدم الانزلاق في متاهات التجريب إلى متاهات بعيدة بل حرصوا على الارتباط عدم الانزلاق في متاهات التجريب إلى متاهات بعيدة بل حرصوا على الارتباط بنسغ الشعر وروحه الحقيقية وإذا كانت الصحراء بالنسبة للبدوي ـ العربي بشكل خاص، ليست مجرد مهاد، يولد ويعيش وينام ويموت فيها، بل هي حقيقة تسكن جسده، كما تسكن فكره. . ويحمل صحراءه في داخله. . فان الإنسان يحمل (الخوريات) في ذاته أينما رحل كهوية خاصة. . مؤكدا في الوقت نفسه اعتزازه بالشعر والشعراء أينما كانوا، مواصلا ارتباطه بالشعر معطيا له في منزله، وضمن أسرته مكانة أثيرة للشعر ونصوصه.۱۸

اليوم لا يزال الشعراء التركمان، ينشدون الشعر مثلما كانوا قبل مئات الأعوام، وسيظلون كذلك إلى أن تقوم الساعة.

سلاما أيها الشعراء أينما كنتم.

مصادر البحث

۱ ـ قلعة كركوك، عبدالعزيز سمين، جريدة صوت التأميم، العدد ۷ـ٨، ۱٩٩٨

۲ـ تراث ومعتقدات المسيحيون التركمان (باللغة التركمانية)، بطرس فرج هندي، العدد الرابع، مجلة صوت الاتحاد، بغداد، ۱٩۷۲

٣ ـ اغتيال قلعة كركوك، نصرت مردان، مجلة قارداشلق ـ الإخاء، العدد ٥، استانبول، ۲۰۰۰.

٤ـ قشلة كركوك، مقابلة مع مدير مشروع صيانة القشلة، مجلة قارداشلق ـ الإخاء، عدد حزيران، بغداد، ۱٩٩۰.

٥ ـ نفس المصدر.

٦ ـ القشلة التراثية في كركوك، عطا ترزي باشي، مجلة قارداشلق ـ الإخاء، عدد أيلول، بغداد، ۱٩٨٩.

۷ـ برنامج (مراسلو الجزيرة)، لقاء مع عبدالعزيز سمين، تلفزيون الجزيرة، ۲۰۰۰

٨ـ خان الهنود (باللغة التركمانية، عبدالعزيز سمين، جريدة (يورد ـ الوطن)، ۲۰۰۰

٩ـ الحياة الاجتماعية في كركوك (باللغة التركمانية)، شاكر صابر الضابط، مطبعة الزمان، بغداد، ۱٩٦۲

۱۰ ـ نفس المصدر.

۱۱ ـ قنون الأدب الشعبي التركماني، د. ابراهيم الداقوقي، مطبعة الزمان، بغداد، ۱٩٦۲

۱۲ ـ حكاية ارزي وقنبر على ضوء المنهج المورفولوجي، دراسة وترجمة محمد مردان، مخطوطة. ۱٣ ـ القصة التركمانية ـ أحاديث ونماذج (باللغة التركمانية)، د. محمد عمر قازانجي، مديرية الثقافة التركمانية، بغداد، ۱٩٩٤.

۱٤ ـ القصة التركمانية المعاصرة، نصرت مردان، مجلة قارداشلق ـ الإخاء، العدد ۲ ـ نيسان، استانبول ۱٩٩٩.

۱٥ ـ المسرح التركماني، فاضل الحلاق، مجلة قارداشلق ـ الإخاء العدد ٩، بغداد، ۱٩٨٥

۱٦ ـ مقابلة من إعداد زياد كوبرلو مع رائد المسرح التركماني عصمت الهرمزي، إذاعة توركمن ايلي، أربيل.

۱۷ ـ إطلالة على المسرح التركماني، نصرت مردان، مجلة قارداشلق ـ الإخاء، العدد أيلول، استانبول، ۲۰۰۰

۱٨ ـ بدايات الشعر التركماني العراقي في أرض الرافدين ، نصرت مردان، جريدة الزمان، العدد: ٥۷٦ في ۲٣ /٥ /۲۰۰۰

۱٩ـ لا تقطفوا هذا القرنفل، نصرت مردان ـ صالح جاووش أوغلو، مجلة (عشتار)، العدد:۲٣ تموز، استراليا.

ملاحظة

مجلة قارداشلق ـ الإخاء، صدرت من قبل نادي الإخاء التركماني ببغداد باللغتين العربية والتركمانية في مايس ۱٩٦۱. توقفت عن الصدور في ۱٩٩۰ بعد أن ساهمت في تطوير الأدب التركماني في العراق مساهمة إيجابية. وتعتبر مجلة قارداشلق التي صدر عددها الأول في ۱٩٩٩من قبل (وقف كركوك) باستانبول امتدادا لها.

ـ أعد هذا البحث لندوة مركز (كربلاء) حول مدينة كركوك، دون أن يلقى.

الرئيسية
المقالات
الاخبار
الادب
الوثائق
حول المنبر
اتصل بنا
اعلانات
إصدارات

المنبر التركماني غير مسؤول عن الآراء المكتوبة ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر

Turkmen Tribune
contact@turkmentribune.com