تركمان العراق |  قضية كركوك  |  حقوق الانسان  |  كتابات مختارة عربي | Türkçe 
-
كركوك والمناطق المختلف عليها

د.صبحي ناظم توفيق

مقدمة

 ربمالا يختلف إثنان حيال أهمية " كركوك "، كمدينة أو محافظة، وكونها حالة خاصة، بل وإستثنائية بمستوى العراق وسط أوضاعه المتفاقمة أمنياً وسياسياً، وأن هناك خلافات وآراء متباينة بأعماق معظم العراقيين أزاءها، فضلاً عما يجُول في نفوس مواطنيها الأصيلين، المستقرين منهم والوافدين، والمهجّرين والمهاجرين، سواءً أولئك الذين عادوا إلى ديارهم أو مازالوا مغتربين عنها، وفق رؤى متعاكسة تنصبّ على حقوقهم التأريخية والإنسانية والسياسية والإجتماعية والثقافية المتنوعة - في معظمها- بين مكونات " كركوك " السكانية الرئيسة من "التركمان، الأكراد، والعرب" وسواهم، ناهيك عن أهميتها النابعة من ثروتها النفطية، وكونها عقدة طرق إستراتيجية تلتقي فيها لتربط شمالي الوطن بوسطه وبواقع (6) محافظات ببعضها، لذا فإن مشكلاتها العديدة، المتوارثة والمتراكمة على مرّ القرون المنصرمة وعقودالقرن الماضي، وتلك التي إنبثقت مجدداً بُعيد إحتلال العراق عام (2..3) وتعقّـدت مع تفاقم أوضاع البلد، حتى بدا لكل ناظر ومتتبّع أنها باتت حالة مستعصيةً يصعب معها إيجاد حلول عملية وواقعية يمكن أن تُرضي الجميع أو الأغلبية، وتهدّئ من روع أصحاب المرامي المتضاددة، ونارا"مشتعلة تختبىء تحت الرماد وهي مرشّحة للإنفلاق والإنفلات كلّما إقتربنا من التأريخ المحدّد بالدستور أواخرعام (2..7)، والذي يستسيغه البعض، بل ويصرّون عليه...وذلك ممّا يتطلّب دراسةً مستفيضةً نسلّط من خلالها بعض الأضواء إبتغاء التوصل إلى مسالك منطقية يمكن إتباعها- قدر الممكن- بغية تهدئة الأمور ووصولا" إلى ما يمكن من حلول، ووفق العناوين الآتية:-

أولاً . بعض من تأريخ " كركوك ".

ثانيـاً. رؤية التركمان نحو مدينتهم " كركوك ".

ثالثـاً. نظرة الأكراد إزاء " كركوك ".

رابعاً. مشاعرالعرب حيال " كركوك ".

خامساً. تشخيص أهمّ العلـل.

سادساً. مقترحات وتوصيات.

 بعض من تأريخ كركوك....

" قلعة كركوك " المقدّر عمرها بآلاف السنين، الدائرية الشكل، العالية المتّسعة، ذات الأحياء والشوارع والأزقة والأبنية المتنوعة في طُرُزِها وأحجامها، هي أصل " مدينة كركوك " التي إنبثقت حوالي قلعتها وعلى جانبي نهر " خاصة صو"، وعلى مرّ القرون، أحياءٌ سكنية أحدث، أمثال(مُصَلّى، بِـريادي، جُقُور، إمام قاسم ) شرقيّ النهر..و( قُورْيَه، صاري كَهْـيَـه، نَـفْطْجِلِـر، تِكْـريتْلِـلَر، قِـشْلَـه، تِسِـنْ ) في غربيّه.

توالت على " قلعة كركوك " الحضارات بأعراقها ودياناتها ومقدّساتها ومذاهبها، فورثت عنها عمرانها ودورعباداتـها ومقـابـرها ومقـامـاتها المتنوعة، قبل أن تُبنى جوامعها الإسلامية العديدة في العهودالأموية، العباسية، السلجوقية، آق قوينلو، قره قوينلو وغيرها، فضلاً عن العهد العثماني.

أما العثمانيون، الذين حكموا العراق ( بحدوده الدولية الحالية ) طيلة أربعة قرون متواصلة، فقد جعلوا من " كركوك " - من الناحيةالإدارية - ((قضاءً))، أُتْـبِـعِ إلى " ولايةالموصل "، قبل أن يتمّ ربطه إدارياً بـ" ولاية شهرزور/ سليمانية " في أواخر العهد العثماني، وأنها لم تصبح " لواءً / محافظةً " إلاّ بعد الإحتلال البريطاني للعراق (1918) وترسيخ حدوده الدولية عند تأسيس دولة العراق الملكي (1921) حيث تألفت من أربعة أقضية هي:- ( مركزكركوك، طوز خورماتو، كفري- ذوات الأغلبيةالتركمانية -، والحويجة ذات الأغلبية العربية )، قبل أن يُفصل قضاء "جمجمال" –ذوالأغلبية الكردية – من " لواءالسليمانية " عام (1946) ويُـضَمَّ إلى "كركوك"... ذلك الذي جعل من هذا اللواء /المحافظة ذات ديموغرافية من ثلاث قوميات رئيسة، إلى جانب أقليات أخرى كـ" المسيحيين " بطوائفهم ومذاهبهم العديدة، وكذلك " اليهود" حتى عام (1954)

 رؤية التركمان نحو مدينتهم" كركوك "

يصرّ التركمان في" كركوك " وعموم العراق، على كون هذه المدينة هي مسكنهم المشهود ـ على الأقل ـ منذ العهد العباسي تحديداً، وماتبعته من حضارات، حتى أن " مسيحـيّـي القلعة " الأصيـليـن لم تكن لديهم لغة سوى التركمانية، في حين لا تجد فيها أوحواليها أية آثاركردية أوعربية، حتى أنهم يتحـدّون بأن المقابرالعديدة بالقلعة نفسها والأحياء المتاخمة لها لاتحتوي ـ عموما"- على رُفات سواهم من الأعراق لغاية عقد العشرينيات من القرن العشرين .. وما المقابر المحدودة العدد وأصحابها الأكراد إلاّ من أولئك الذين نزحوا من قرى قريبة وأنشأوا في " كركوك " دور عبادة ( تـكـايـا ) للدراويش بمباركة السلطات العثمانية، أمثال عائلتي(خانقاه، والطالبانيين) خلال القرن/19 أوبعده ... أما العرب فلم يكن لهم وجود بالمدينة - في حينه - إلاّ على شكل عوائل منفردة.

بقيت ديموغرافية " كركوك " على حالها حتى بعد تفكّـك الدولة العـثمـانيـة ولحين إكتشاف الثروة النفطية في ضواحي المدينة خلال عقد العشرينيات وتأسيس شركة (I.P.C) البريطانية، حين تهافتت للعمل في منشآتها المتعددة آلافٌ من أهالي شماليّ العراق بشكل خاص، ضمّت أكراداً وعرباً وآثورييـن وأرمن وغيرهم، فيما قَـدِم إليها آخرون ليـنـشئـوا فيها مصالح تجارية وإقتصادية مالبثت وأن تطورت بشكل هائل وسط " كركوك " بعد ربطها مع " بغـداد وأربيل " بسكة حديد، وبطرق مبلـّطـة مع خمسة ألـويـة / محافـظات، فيما تأسست القيادة العسكرية للمنطقة الشمالية والعديد من معكسراتها في ضواحيها بعد تأسيس الجيش العراقي الذي إنخرط في صفوفه الآلاف من الشباب الأكراد وغيرهم من سكـنـة نواحي " كركوك " ومدينتي" السليمانـيـة وأربـيـل " وأقضيتها وقراها.

لم يتواجد الأكراد- ببعض الكثافة - في مدينة " كركوك " حتى عقـد الخمسينـيـّات إلاّ ضمن حيّـيـن سكنيـّيـن، أولهما " إمام قاسم "، وثانيهما " شورجة " اللذان إحتويـا- بشكل عام - مساكن متواضعة لعمال بناء وخدمات وجنود، في حين لم تكـن نسبة الطلاّب الأكراد- وكذلك العرب - في مدارس مدينة " كركوك" تزيد على (1.%) من مجموع الطلاب، على الرغم من إفـتـقـارجميع أقضية اللواء/ المحافظة لأية مدرسة متوسطة وثانويـة في ذلك العـقـد.

تنعّمت " مدينة كركوك " بالهدوء والسكينة والأمان، فتعايش فيها التركمان والأكراد والعرب وسواهم متآخين متلاحمين مبتعدين عن الإضطرابات، حتى شاءت الأقدار أن يُقْـضى على العهد الملـكـيّ يوم 14تموز1958، لتنقلب موازين العراق في جميع مناحيها، وبالأخص السياسية والإجتماعية، فإنخرط العديد من الأكراد في صفوف الحزب الشيوعي- الذي أحكم قبضته على معظم العراق- وفي أحضـان الأحزاب القومية اليسارية الكردية التي عمّـت المنطقة الشمالية من العراق، حتى نـفّـذت بحقّ التركمان منتصف شهر تموز1959 مجزرة بشـعـة قُـتِـل خلالها عشرات التركمان سـحـلاً بالحبـال وتمثـيـلاً بالجثـث، كانت غايتها الأساس إجبارهم على هجر مدينتهم، في حين تَـرك آلاف الأكراد قراهم ليستـوطنوا " كركوك " حيث أنشأوا أحياءً جديدة لهم على عجل قرب محلّتي " إمام قاسم وشورجه " قبـل أن يضيـفـوا إليهـما أحياءً أخرى بمباركة حكومة "عبدالكريم قاسم" ..إلاّ أن الهجرة الكردية نحو " كركوك " حُدَِّدت منذ عام ( 1963 ) عند تسلـّم " حزب البعث " مقاليد الحكم للمـرّة الأولى، وكذلك في عهدي الرئيـسين " عبدالسلام وعبدالرحمن عارف ".

بعد حركة " 17 تموز 1968 " بدأت محاولات من نوع جـديـد إبتـغـت " تعريب " محافظة كركوك، وتـفتـيتهـا إداريّـاً بأقـضيـتها ونواحيـها.... ففي عقـد السبعـينـيات أُتْـبِـعَ " قضاء كفري " إلى "محافظة ديـالى"، فيما ضُـمّ " قضاء طوز" إلى "محافظة صلاح الدين"، و" قضاء جمجمال" إلى " محافظة السليمانية"، في حين صدرت توجيهات مركزية - حزبية وحكومية - بترغيب المواطنين العرب في جميع محافظات العراق للهجرة إلى " كركوك " مقابـل مغـريات مادية ووظيفية وحزبية، فـأُنْـشِـئَتْ لهـم أحيـاء عديـدة وسـط المـدينـة على نفقـة الـدولة في معظمـها، بينمـا حُـورِبَ " التركمان " خصوصاً وكذلك الأكـراد والآخـرون من غير العرب، في رزقهـم اليومي ومستقـبل عائـلاتهـم وأولادهم ومصالحهم، قبل أن يُجْبَرُوا على ((تغيير)) قوميتهم إلى " العربية " طيـلة مايـربو على عقـديـن، مما جعـل عشرات الألوف منهم يتـركون " كركوك " بُـعـداًعن الإذلال والمَهـانـة، وطلـبـاً لـلأمـان ولـقـمة العيـش داخـل العـراق أوخارجـه، ولغـايـة إنهيـارالنظـام عام(2..3)..

أما " التهجير القسريّ الحكوميّ " للأكراد - حسب رأي التركمان - فإنه لم يشمل إلاّ أولئك الذين لم يُولَـدُوا في " كركوك "، أو أنـهم لم يُسَجّـلوا لدى دوائرالأحوال الشخصية بالمحافظة، وأنه لم يُـنَفّـذْ إلاّ بعد عام (1991) حين أَخْـلَـتْ الحكومة المركزية المناطق الكردية عند شمولها بما سمّي " المنطقة الآمنة لأكراد العراق "، وأن العدد الكلّي للمرحّلين جميعاً لم يتجاوز عشرة آلاف.

وعندما إعتقد التركمان بأن معاناتهم في "كركوك" وسواها قد حلّت بإنهيار النظام السابق، فقد فوجئوا بقوات "البيشمركه" الكردية وهي تسيطر على مفاصل "كركوك" ونواحيها، إلى جانب القوات الأمريكية أيام نيسان2..3، وتنصب محافظا" وكبار الموظفين التنفيذيين، في حين إندفع إليها-سراعا"وخلال بضعةأسابيع- بضع آلاف من الأكراد بدعوى أنهم هجّروا منها، فتمّ إسكانهم بمخيّمات أنشئت على أنقاض قواعد ومعسكرات القوات المسلحة العراقية التي نهبت كليا" وفي بقاع أخرى...وفي ظلّ غياب سطوةالدولة والقانون، ربطت مؤسسات "محافظةكركوك" ودوائرهاالحكومية بالإقليم "الكردي العراق"، فتمّ تعيين آلاف الأكراد موظفين فيها ونقل آخرين بالجملة إليها من المحافظات الشمالية، وهم مزوّدون-في معظمهم-بوثائق ومستمسكات يصرّ التركمان أنها مزوّرة بإتقان، تشيرإلى كونهم من أهالي محافظة كركوك.

وأخيرا"توّجت القساوة على "تركمان العراق"، ليس بهجرة الأكراد وفق خطة مبرمجة وبهذه الأعدادالضخمة إلى مناطق كان جميع العراقيين يعلمون أن التركمان يشكّلون فيهاالأغلبية، بل ما نصّ عليه "دستورالعراق الإتحاديّ" حول ((تطبيع)) الأوضاع بتلك البقاع، والذي يبدو جليّا" أنه سيؤول لصالح الأكراد بهذه الظروف لما يمتلكونه من أدوات وتنظيم ونفوذ سياسي وقوات مسلحة وتحالف مضمون مع الأمريكيين، وأغلبية برلمانية تلي "الكتلة الشيعية"، وفيدرالية"الأمر الواقع" بالمنطقةالشماليةمن العراق التي تطمع في "كركوك" بشكل خاص كونها تؤمّن ميزانية ضخمة للالإقليم الكردي فضلا"عن موقعهاالإستراتيجي.

ويرى تركمان "كركوك والمدن ذات الأغلبية" أنهم لا يمتلكون قوة مسلحةمنظمة، مثلما حال الأكراد والعرب، وهم على غير وئام مع المحتلّ الأمريكي، لذا فإن الضرورة تقضي تحالفاً وطيداً مع "عرب الحويجة" وحتى العرب والآخرين الوافدين إلى " كركوك " وإستثمار مشاعر "العرب السنّة" وكذلك "الشيعة" المناوئين للفيدرالية أو التقسيم في عموم العراق، وخصوصاً حيال سَوق"كركوك" للإنضمام عنوةً إلى الفيدرالية الكردية ,فضلاً عن الإعتماد على توجهات"الجمهورية التركية" التي طالما أعلنت أن(( تعرّض "تركمان العراق" إلى الخطر, وضمّ "كركوك" إلى "الالإقليم الكردي" )) هما خطّان أحمران ضمن توجهات الأمن القومي التركي...وأن لاضيرفي ذلك ـ حسب قناعةالتركمان ـ مادام الأكراد متحالفين مع المحتلّين الأمريكيين, و"الشيعة"، بشكل عام، يستندون على "إيران" , و"العرب السّنة" يعتمدون على أكثر من دولة جوار..فهل من ملامة يمكن أن تقذف نحوالتركمان في هذه الفوضى الذي يعمّ العراق؟؟ .

إن الذي قد يخّفف من وطأة التوجّه الكردي لضم "كركوك" وغيرها إلى "الإقليم الكردي" هو أن دولتي الجوار "إيران وسوريا" لاترغبان _إلى جانب تركيا_ أن تكون هناك فيدرالية كردية قوية في شمال العراق, والتي من المؤكد أنها ستثير مشاعر أكرادهم في المناطق المتاخمة للعراق وتدفعهم بالمستقبل المنظورللمطالبة بحقوق قومية مشابهة قد تزعزع الإستقرار السياسي والأمني لديهما.

 نظرة الأكراد أزاء "كركوك"

تتعاكس رؤية الأكراد أزاء "كركوك" بشكلٍ جذري مع التركمان, إذْ يدّعون أن "تركمان كركوك والعراق" ليسو سوى شتات أقوام جاؤوا من أوطانهم في "أواسط آسيا" لأسباب متنوعة , مجْبِرين أهل "كركوك" وتخومها الأصيلين بقوة السلاح أو النفوذ السياسي _وخصوصاًخلال الحكم العثماني _ إلى ترك ديارهم , لذلك فهم لايعدون إلا بقايا العثمانيين في العراق بعد إنهيارهم إثر الحرب العالمية الأولى ... لِذا فقد آن الأوان كي تعود المياه إلى مجاريها , وإن كان لابدّ من بقائهم فينبغي أن لاتكون لهم الكلمة الاخيرة في "كركوك" وحواليها.

وإذا ما تُرِكَ التأريخ جانباً, فإن جغرافية سلسلة "هضاب حمرين" التي تفصل بين سهول العراق القائم عن مناطقهِ الجبلية, تثبتّ بجدارة –حسب رؤية الأكراد- أن "الكردي العراق" تبدأ إعتباراً من تلك السلسلة وصعوداً إلى الشمال الذي عاش فيهِ الاكراد طوال تأريخهم الملئ بالكفاح والنضال والثورات حيال من إستحوذ على بلادهم من دول حاولت عبر التأريخ هضم حقوقهم التي ظلت محدودة حتى بعد تأسيس دولة العراق الحديث عام 1921 سواءً خلال العهد الملكي أو العهود الجمهورية المتعاقبة, والتي تسبَّبَتْ في مواصلة الكفاح من أجل كسبها.

إن نسبة الاكراد في "لواء /محافظة كركوك" في إحصاء عام (1957), تتعدى _حسب الإدعاء الكردي_ 42% من أهالي كركوك, وبذلك فهم كانو الأغلبية التي علت على التركمان والعرب على التوالي ... وأن التهجيرالقسري _ سواء بشكل مباشر أو غير مباشر _ قد ظلَ جاثماً على صدورهم, وبالأخصّ منذ بدء ثورة "الملا مصطفى البارازاني" عام 1961, حتى تُوِّجَ منذ عقد السبعينيات ولثلاثة عقود متتالية, إذْ يحقّ لكلٍ من هاجر أو هُجِّرَ أن يعود إلى ديارهِ, سواءً في كركوك أو غيرها, وأن بتركِها "العرب الوافدون" تباعاً كلُّ إلى من حيث أتى, بعد أن نصَّ "الدستور العراقي لجديد" على ذلك, وعلى إجراء إستفتاء في "المناطق المتنازع عليها" كي يقرر مواطنوها الإنضمام إلى "الإقليم الكردي الفيدرالي" من عدمهِ , بمثابة حق تنص عليهِ المواثيق الدولية وحقوق الإنسان ... لذلك فلا مناصّ من الإصرار على هذهِ النقطة في ظل المواقف السياسية التي هي في صالح أكراد العراق بالظرف الراهن , وإستثمارها في هذا الشأن الخطير , حتى لو إظطروا لإستخدام القوة لتحقيقه.

إن إنضمام "كركوك" والمناطق التي يطالب بها الأكراد إلى "الإقليم الكردي الفيدراليّ" لهوَ شأن داخلي عراقي , ولايحقُّ لدول الجوار أن تتدخل للحيلولة دونهِ, وإذا ما حاولت التدخل فإن نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية في العراق قد يحول دون ذلك ... ولكن, وللتخفيف عن مثلِ هذهِ الأخطار ينبغي التركيز على وحدة العراق والإصرارعلى أن "الإقليم الكردي العراق" لايرغب الإنفصال عن العراق, بل لتحقيق الفيدرالية ليسَ إلاّ .

 مشاعر العرب حيال "كركوك"

يقرّعرب قضاء "الحويجة" , وهم من مواطني "لواء/محافظة كركوك" الأصيلين , أن "كركوك" مدينة تركمانية دون ريب, وهم يعرفون ذلك عن كثَب من خلال تعايشهم معهم طيلة عقود القرن العشرين , ويعترفون _بشكل عام _ أن "تعريب" المدينة خلال العقود الثلاثة الأخيرة كان خطأً إقترفهُ النظام السابق بحق التركمان والأكراد معاً, وحتى العرب الأصليين في"كركوك" .

أما "الوافدون" من محافظات العراق إلى هذهِ المدينة والمناطق المحيطة بها, والذين يستهدفهم نص"التطبيع" الوارد في الدستور, فهم يرون أنفسهم مواطنين عراقيين كان لهم حق الإنتقال من بقاعهم والسكن في هذهِ المدينة أو غيرها, كما هو متّبع في عموم دول العالم, وأنهم إستقروا فيها وفي سواها منذ عقدين أو ثلاثة وتزاوجوا وتكاثروا وتعايشوا مع أهليها, بحيث إنقطعوا _بشكل عام_ عن أُصولهم وجذورهم, وباتت لهم مصالح إقتصادية وإرتباطات إجتماعية لايمكن الإستغناء عنها والعودة إلى ديارهم السابقة مهما بلغ الثمن, ولذلك ينبغي الإستماتة دفاعاً عن هذه الحقوق حتى لو تطلّب ذلك إستخدام السلاح.

ولمّا كان "التركمان" مصرّين على ضرورة عدم الإنضمام "كركوك" وغيرها إلى الفيدرالية الالكرديية, لذا يجب التحالف معهم وإسنادهم, وإستثمار مشاعر "عرب الحويجة" للوقوف ضد المشروع الكردي, فضلاً عن توجهات الكتل السّنية وكذلك العديد من الشيعة العرب المعترضين حيال هذا الشأن .

 ملحوظات حول الدستور

كان معظم المثقفين الوطنيين العراقيين, ممن يمكن وصفهم بـ"الحياديين", عندما صدر "الدستور الإتحادي" متـّفقـين بشكل عام على هشاشة محتواه وبنائهِ في تقاريرهم ومقالاتهم ودراساتهم التي نشروها أو سلّموها إلى أجهزة ومؤسسات رسمية وطنية أو الإقليمية أو دولية, وأن أغلب نصوصهِ سُبِكَتْ بشكل لم تُراعِ تماسك "دولة العراق" وسلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية, مما قد يمكّن هذا البلد من أن ينجو من الكارثة التي حلّت بهِ وطناً وشعباً, وذلك من حيث العُجالة التي رافقت إعداده والتأريخ الذي أُريد بهِ إنجازه حتى ساده الإرتباك والإرتجال والأخطاء النحوية وضعف الصياغة القانونية وتكرار المعاني والعبارات, فَحَلَّ إحساس أن فئة أو أكثر إبتغت إغتنام حصة / حِصص كبيرة لمصالح طائفية ومذهبية وجغرافية على حساب الآخرين ومستقبل العراق وطناًوشعباً, بحيث يفضي - بمالايقبل الشك- إلى تراكم معضلات قد تؤول الى مشكلات وتضعضعات على المستويات السياسية والإقتصادية والإجتماعية تؤدي _ بشكل مؤكد_ الى إضعاف كيان العراق ويعرّض هويته وأمنه ووحدته الى التصدّع بالظرف الراهن والمستقبل المنظور...

وأن هذا الدستور مصحوباً بالإنتقادات الموجهة إلى نصوصهِ الأساسية وآليات إقرارهِ, والإعتراضات التي طُرِحَتْ بشأن عمليات التزوير عند الإستفتاء عليه, قد جعلتهُ ليس أشبه مايكون دستوراً مؤقتاً فحسب, بل هو أقرب إلى وثيقة عمل أو برنامج سياسي أرادت حكومة الدكتور إبراهيم الجعفري دفعَهُ إلى حيّز الوجود خضوعاً للإرادة الأمريكية، ومرضاةً لهذهِ الطائفة أو تلك .

وبما أننا في صدد "كركوك" والمناطق المختلفة _التي سُمِّيَتْ جَوْراً بـ "المتنازع عليها"-, ومصطلح " تطبيعها" في مدة أقصاها (31/12/2..7) وقبل إجراء إستفتاء في كامل ربوعها لتحديد إرادة مواطنيها... فإن الخطوات الجادة التي يخطوها القادة الأكراد والشحن النفسيّ الموجّه نحو مواطنيهم ومحاولاتهم الدؤوبة لإستمالة طوائف أخرى إلى جانبهم من ناحية, متعاكسة مع الأحاسيس التي تعـمّ نفوس التركمان والعرب غير المؤيدين للفيدرالية والإستعدادات التي يتخذونها _ على تواضعها _ للحيلولة دون(التطبيع) بهذا الأُسلوب شبه الـقسري والعجالة من ناحية أخرى, تضيف نيراناً إلى ماتحت الرماد تجعل من كل متتبع للأمور يرى أنها من الخطورة بمكان بحيث تحدث في ربوع "كركوك وتلك المناطق" مذابح قد تفوق ماهو قائم في المناطق التي تسمى حالياً "بالساخنة" , لأن "التطبيع" - برأي الوطنيين المثقفين - ليست غايتهُ إلاّ إضفاء الطابع الكردي بالتعدّي غير المبرّر على "كركوك" وتلكم المناطق التي هي خارج نطاق المحافظات الثلاث التي يشتملها أصل "الإقليم الكردي" وهي تابعة أساساً الى محافظات "الموصل, صلاح الدين, ديالى، وواسط"، وأن الإستنادعلى خارطة "الكردي العراق" –الطموحةجداً- والمعروضة أمام العيان , والموعز بتعليقها في معظم الدوائر الرسمية والمؤسسات الكردية , فضلاً عن المساكن والمحلات التجارية لايمكن إعتباره سوى مجرّد سذاجة، وخطوة مضافة لتعريض العراق لمخاطرجمّة .

 قانون الأقاليم

ويأتي "قانون الأقاليم" _ بعد تمريرهِ بأغلبية بسيطة وإعتراضات كبيرة _ ليسكب وقوداً فوق النيران المشتعلة في العراق , وليضيف –في رأي العديد- سلبيات أُخرى الى نفوس من يحمل ذرة من الغيرة على مستقبل هذا البلد ووحدتهِ وإستقرار شعبهِ, وتأتي أحاسيس "التركمان" وقد إصطفّ الى جانبهم معظم السّنة العرب والعديد من الكتل السياسية والدينية، بما فيها عدد من الكيانات الشيعية, لمّا قرأوا ماتشتمله نصوصهِ من عبارات، تبدوتماماً أنها وضعت على عجل، مستهدفة مناطق محددة من العراق, قد يكون من أهمها إتباع "كركوك" والمناطق التي يُصرّ الأكراد على ضمها إلى "الفيدرالية الالكرديية"، تحت ذريعة هذا القانون المستند على الدستور الإتحادي الهشّ في أساسه.

ومن دون الخوض في التفاصيل , نستقرئ أن مصطلح "المحافظة", كلما وردت في فصول هذا القانون ومواده, تنطبق على "كركوك" _كمحافظة_ أعظم من إنطباقها على أيةٍ محافظة عراقية أُخرى , وقد سُبِكَتْ بشكل لايقبل أي شك أوتأويل, وبالأخص فقرات المادة (2) من الفصل الثاني, متبعةً بفرض خطوات عاجلة لِجعل الإنضمام أمراً واقعاً بأقصى سرعة ممكنة، بعد إستفتاء (بأغلبيةالمصوتين من الناخبين) , من دون تحديد نسبة (الأغلبية)هذه في مثل هذا الموضوع المصيري الذي يخصّ مستقبل مواطنيّ المحافظة المعنيّة بالأمر, كما وردت في المادتين (6)و(21), وغيرهما.

 مشروع دستور الكردي العراق

وبينما يستمر حريق العراق ودمارهِ وتسيل دماء العشرات من مواطنيه بمعدلات يومية , في شوارع مناطقه الساخنة, وسط شدّ وجذب وتطاحن بين هذهِ الكتلة وتلك الفئة والطائفة,فقد نشرالأكراد مشروع "دستور الإقليم الكردي العراق" يوم22/8/2..6, ليفاجئوا الجميع بنصوص تشير، أو تفضي إلى مايأتي :

1.      أنهم كانوا المظلومون الوحيدون في العراق منذ تأسيس دولته الحديثة عام (1921) ولغاية سقوط النظام الصدامي عام (2..3).

2.      أن "الكردي العراق" تتكون ليس من محافظات "دهوك" بحدودها الإدارية الحالية, ومحافظتي السليمانية، أربيل" بحدودها الإدارية التي كانت قائمة قبل عام (1968) فحسب, إنما محافظة"كركوك" بكاملها, مضافاً إليها مامجموعه (13) قضاء وناحية تابعة إلى محافظات "نينوى, ديالى, وواسط" بحدودها الإدارية قبل ذلك العام.

3.      وجوب بقاء "الإقليم الكردي" موحّداً, ولايجوز تأسيس الإقليم جديد داخل حدودهِ.

4.      في حالة تنازع قوانين “الإقليم الكردي" مع أية قوانين أُخرى , فإن محاكم "الكردي" تطبق "دستور الكردي"وقوانينها.

5.      يتكون شعب "الكردي العراق" من الكرد والقوميات الأُخرى (التركمان, الكلدان, الآشوريين, الأرمن, والعرب) من مواطني الالإقليم وفق القانون.

6.      لشعب "الكردي العراق" الحق في تقرير مصيرهِ بنفسهِ ..ولهُ إعادة النظر في إختيارهِ وتحديد مستقبلهِ ومركزهِ السياسي في أكثر من حالة إنتقائية .

7.      نصوص عديدة أُخرى تنحو بإتجاه نزعة إستقلالية مستقبلية وحرية كاملة بالتصرف داخل الالإقليم، تصاحبها مشاركة حقيقية في جميع الموارد والمناصب مع الحكومة العراقية الإتحادية , ولكن من دون أدنى مجال للحكومة الإتحادية بالتدخل في أيّ من أُمور "الكردي العراق" , حتى على مستوى الثروات الطبيعية والمياه والمعادن، والتي إعتبرها مشروع الدستور ثروة قومية للالإقليم.

 

تشخيص أهمّ العلل

بعدعرض تلكم المتناقضات والمفارقات بشأن "كركوك"-كمدينةً ومحافظة-، مضيفين إليها رؤية الإدارة الأمريكية التي تبدو أنها تميل، منذ إحتلال العراق، إلى الإبتعاد عن الخوض بهذه المسألة الشائكة لتفادي إدعاءات التمايل لهذا الطرف أو ذاك، وكذلك توجّهات الحكومات العراقية الثلاث المتعاقبة (علاوي, الجعفري, والمالكي) التي تـنأى التحدث عنها بصراحة في وسائل الإعلام, كي لاتبدو ميّالةً الى هذهِ الفئة أو تلك ...فإننا نستطيع التوصّل إلى تشخيص العلل وفق الإستنتاجات الآتية:

  1. إن "كركوك" _كمدينة أو محافظة_ والتي تم تعديل حدودها الإدارية عدة مرات _ هي حالة خاصة ووضع إستثنائي تتعدد حولها الآراء وتتباين بين القوميات التركمانية والكردية والعربية, ولاتنحصرمشكلاتها وسط حدودها ومواطنيها, بل هي معضلة عموم العراق باوقت الراهن –على الأقل-, لِما لـِ"كركوك" من خصوصية ديموغرافية وأهمية نابعة من ثروتها النفطية وكونها ملتقى طرق رئيسة, يجعل منها موقعاً إستراتيجياً وإقتصادياً ذا أهمية قصوى.
  2. أنه لمن العسير التوافق على حقائق((التعداد السكاني)) بالإعتماد على سجلات الإحصاءالسابقة أو إجراءهِ مجددا ًفي ظروف العراق الراهنة وسط إتهامات متبادلة بتزوير المستمسكات والوثائق بين أطراف المشكلة الأساسية, وذلك لتعرض المدينة والمحافظة الى حملات جذب وشدّ ومحاولات تكريد وتعريب وتكريد مجدد وتهجير وهجرة منها وإليها خلال العقود الخمسة الماضية وحتى يومنا هذا, مما يجعل الحلّ المطروح في "الدستور العراقي الجديد" و"قانون الأقاليم" - اللذان يتمحور بعض نصوصهما حول "التطبيع والإستفتاء"- مدعاة لعدم الإطمئنان ومجلبة لمعضلات جديدة .
  3. يُفهم من مصطلح "التطبيع"، الوارد في الدستور والقانون المذكورين معاً، أنه ينحصر- بنظرالكثير من العراقيين- في إعادة "العرب الوافدين" إلى بقاعهم الأصل, وعودة المهجرين الأكراد والتركمان وغيرهم الى "كركوك" , بحيث تتمخّض عنه مشكلات كبيرة تناقض حقوق الإنسان وحرية التنقل والعيش بأمان في أية بقعة من البلد الواحد, ليسَ حيال اولئك"العرب" حصراً, إنما للأكراد والتركمان الذين إستقر الألوف منهم خارج العراق وتزاوجوا وتكاثروا وتجنّسوا في هذاالبلد أو ذاك, فذلك ماسيحتاج مستقبلاً الى"تطبيع" يتبعه "تطبيع".
  4. أن أحزاب التحالف الالكرديي التي تصّر على"التطبيع", وقد سبقت النظر وأعدّت لهُ خططاً مبرمجة, تحاول بخطوات عملية على أرض الواقع إضفاء الطابع الكردي على"كركوك",على الرغم من كونها- وبجميع توجّهاتها- أطرافاً رئيسةً في زعزعة التركيبة السكانية خلال العقود المنصرمة, وبالأخصّ في غضون السنوات الثلاث الأخيرة عندما دفعت عنوة مئات الألوف من الأكراد الى "كركوك" ليستقروا فيها بمغريات مادية وأوامرحزبية.
  5. إن الحجج التي يطرحها التركمان من النواحي التأريخية والواقع السكاني بشأن "كركوك"_كمدينة تركمانية_ والأقضية ذات الأغلبية التركمانية التي كانت تابعة لها, أقوى بكثير-حسب رأي معظم المثقفين العراقيين- مما يطرحهُ الآخرون ... ولكنهم _أي التركمان_ ضعيفو التنظيم السياسي والتسليح, مُشتّتو الأحزاب والتحالفات, ممايجعل الأكراد ـ خصوصاً ـ يتفوقون عليهم في جميع تلك المجالات، وبالأخصّ أساليب الإعلام ووسائلها.
  6. لاتنحصر "مشكلة كركوك" ضمن المحافظة ذاتها, أو حتى بمستوى العراق, بل يمكن أن تتعداها الى عدد من دول الجوار التي قد تتدخل لصالح فئة دون أُخرى, أو ضد قومية بذاتها,وعندئذ تتسع المعضلة حتى الى المستوى الدولي, وخصوصاً أن خارطة"الشرق الأوسط الجديد"- المطروحةأمريكياً- جُوبهت بردود أفعال سياسية غير مريحة ضد الولايات المتحدة الأمريكية برؤيتها المستقبلية أزاءهذه المنطقة, وأن إحتمالات التدخل التركي تبدو وكأنها الأقرب من ناحية الواقع السياسي والجغرافي والرؤى الميدانية الجديّة.
  7. أن نصوص "الدستور الإتحادي العراقي" و"قانون الأقاليم" جاءت لصالح الأكراد من دون التركمان والعرب بما يخص "كركوك" ومناطق أُخرى, لِما لأولئك من نفوذ في البرلمانيين العراقيين السابق والقائم, فضلاً عن أسباب عديدة أُخرى, مما جعل الآخرين يشعرون بالإمتعاض الشديد قد تتمخّض عنه ردود أفعال عصيبة النتائج على مستقبل العراق القريب.
  8. أن الخطر الكامن وراء طرح "مشروع دستور الكردي العراق" أعظم بكثير على مستقبل "كركوك" ومناطق تواجد التركمان خصوصاً, وأنه يحاول فرض أمر واقع على العراق ومستقبله قد يؤدي بهذه البقاع الكردية المتنعّمة بهدوء ملحوظ بالوقت الراهن, إلى تطاحن طائفي مشابه لِما يجري في مناطق العراق الوسطى, إن لم يكن أعظم, فضلاً عن إحتمالات تدخل بعض من دول الجوار، بحيث تتعاظم المعضلة إلى مستوى الالإقليم على أقل إحتمال.

 

مقترحات وتوصيات

تأسيساً على تلكم العلل التي شخّصناها, نعرض أمام الأنظار عدداً من المقترحات والتوصيات, والتي _حسب إعتقادنا_ لو تم الأخذ بها, جملةً أو في بعضها, على شكل خطوات جدّية, وإستجاب لها القائمون على أُمور العراق, مصحوبةً ببعض الغيرة على مستقبل هذا البلد المحترق والمدمّر، إلى جانب ضغوط وطنية والإقليمية أو دولية تبتغي خير العراق، فإنها قد تستجلب بعض الهدوء على هذا البلد بالمستقبل المنظور... والتي نجمل أهمّها فيما يأتي:

أولاً.نقاط عامة

  1. إيضاح مايمكن إيضاحهُ للقادة الأكراد,وهم أكثر المعنيين بالأمر، بأن طروحاتهم التأريخية بشأن "كركوك" ونواحيها، تبدو ضعيفة الأُسس والمرتكزات حيال معاكساتها, وأن إثارة آراء تستند على التأريخ القديم _حتى في حالة كونها قوية على سبيل الإفتراض_ ستثير آراءً متضادّة أقوى, تتمخّض عنها مشكلات لايمكن أن توصل فئات الشعب الواحد الى نتائج حسنة... كما أن "الجغرافيا" أضعف كثيراً من التأريخ ...فضلاً عن أن الإصرار على مثل هذهِ الأمور ربّما تُعاظِم مشاعر معظم العراقيين حيال الأكراد الذين يمكن أن تؤخذ نحوهم نظرة الرغبة بالإنفصال عن العراق, وهذا مالايصبّ في مصلحتهم القومية بالوقت الراهن والمستقبل القريب في ظل الوطن الواحد, وكذلك لدى العديد من دول الجوار التي تتعاكس توجهاتها السياسية والالإقليمية مع رؤى الأكراد.
  2. التركيز على القيادات الكردية بأن إكتفاءَهم بالمحافظات الثلاث "أربيل, السليمانية, دهوك" المنضوية تحت"الإقليم الكردي" منذ منتصف عقد السبعينيات, يفضّل إعتباره كافياً لأستمرار الفيدرالية في ربوع أكرادالعراق، وبالأخص بالظروف القائمة, طالما أن الشعب الكردي متنعم بهدوء مشهود ... وأن أغلبية العراقيين _بمختلف فئاتهم وطوائفهم_ لايعترضون على ذلك, لكونها ذات حكم ذاتي _مع إختلاف الآراء على صورتهِ_ منذ عام1974, وقد ظلّت خارجة عن سيطرة السلطة المركزية منذ أواخر عام1991, وأن هذا ((الإكتفاء)) سيعلي من شأنهم, ليس في داخل العراق فحسب, بل على المستويين الالإقليمي والدولي, ويخفّف من التضاددات المتوقعة لدى دول الجوار المتحاددة مع العراق, والتي لايتمتع مواطنوها الأكراد بِعُشْرِ مايتمتع به أكراد العراق لغاية يومنا هذا.
  3. لاضَيْرَ في حالة الإخفاق بشأن الفقرتين (أولاً, ثانياً) أعلاه, النظر الى العديد من الأقضية والنواحي المعروفة أساساً بكثافة سكانية كردية, والتي أُدخلت ضمن ((المنطقة الآمنة لأكراد العراق 1991_2..3)) , تلك التي كانت ضمن حدود إدارية لمحافظات معينة أُخرى خلال العهود المنصرمة _بما فيها العهد الملكي_ , أن يُعاد ربطها بمحافظتي "السليمانية وأربيل" إستناداً الى حدودها الإدارية التي كانت قائمة في حينها.

ثانياً:نقاط خاصة بالدستور والقوانين

  1. من الأفضل كثيراً، بل يجب لأجل مصلحة الوطن، تعليق نصوص "الدستور الإتحادي" فيما يخص ((تطبيع)) الأوضاع في "كركوك" وتلك المسماة بـ "المناطق المتنازع عليها" ولسنوات عديدة قادمة, وتأجيل هذا الموضوع الشائك الى أجلِ مسمىً, ريثما تهدأ أوضاع البلد ويستتبّ الأمن في ربوعهِ, بحيث يمكن تبادل الآراء والتفاهم العقلاني حول الطروحات في ظل ظروف أفضل قد يؤول الى المناقشة بخطوات منطقية لاتثير مزيداً من المعضلات.
  2. والذي يُسْتَحَبّ، لصالح العراق والعراقيين عموماً, أن تُضاف مادة جديدة الى الفصل الثاني المعنون بـ ((المحافظات غير المنتظمة في الإقليم)) ضمن الدستورالإتحادي, أو إلى ((فصله الثالث)) بعد تعديل عنوانه الى ((العاصمة وبعض المحافظات)) , مما قد يُخرج "كركوك" وغيرها من التنازع المحتمل, ويُسهّـل نزع فتيل الخلافات القائمة بين عناصرها السكانية المتنوعة, وقد يؤمّن الهدوء والإستقرارالمنشود في المستقبل، وبالشكل المقترح الآتي (#) :-

مادة جديدة مقترحة

آ. ترتبط كل من المحافظات "كركوك, الموصل, صلاح الدين, ديالى " بالسلطة الإتحادية.

ب. يجوز لأي من تلك المحافظات تكوين الإقليم لذاتها , ولايجوز لها الإنضمام الى الإقليم آخر, أو تشكيل الإقليم مع أية محافظة أُخرى غيرها.

ج. تُنَظَّمُ إدارة كل محافظة، أو الإقليمها الذاتي، بقانون يرسّخ هويتها العراقية و يضمن المساواة بين عناصرها السكانية الأساسية .

د. يحقّ لمحافظة "البصرة" أن تنتهج ماورد في الفقرات الثلاث من هذه المادة.

3. أمـا "مشروع دستور الكردي العراق" فينبغي عدم إفساح الفرصة لجعلـهِ دستوراً رسمياً مهمـا كلّـف ذلك من جهود خيّرة , لكونه يشكّل خطورة عظيمة – برؤيةالكثيرين - على أوضاع العراق عموما، وبالأخصّ المحافظات المتاخمة لـِ" الإقليم الكردي" , وضرورة إتخاذ خطوات جديّة لنـأي القيادات الكردية _ برضاها وإبتغاء المصلحة العليا للوطن _ عن الإقدام على أية توجّهات قد تعرّض الإقليمهم الآمن، بالوقت الراهن، الى مخاطر لا يُحمد عقباها , وتُبْعِد ديارهم عن نعمة الإستقرار, وتقذف بهم الى مطبّات يصعب الخروج من أتـونّـها .

4. وبما يخص " قانون الأقـالـيم" , فإنه يجب أن يُـؤَخّر وضعه موضع التنـفيذ الى أجـل مسمّى آخـر, فيما لو إنقضت مدة (18) شهراً منـذ تأريخ صدورهِ وبدى للعراقيين أن الأمـن مازال غير مستتبّـاً في بلدهم _ مثلما هو متوقع _ .

ثالثاً: التطبيع

ينبغي وضع النقاط الآتية بنظر الإعتبار عند الإضطرار لتطبيق نصوص((التطبيع)) الواردة في ((الدستور الإتحادي)) :-

1. تشكيل "لجنة دولية" للتدقيق المتقن والمعمّق للمستمسكات التي يحملها الأكراد الذين تدفعوا الى "كركوك" والمناطق المسماة بـ"المتنازع عليها" بعد إحتلال العراق عام (2..3) ,على أن تستند في عملها على سجلات الأحوال المدينة لمحافظة "كركوك" والمحافظات ذات الشأن في هذا الموضوع , ومحلات سكنى هؤلاء وإستقرارهم في الأماكن التي يزعمون أنهم قد هاجروا أو هُجِّروا منها في العهود السابقة, وكذلك في كونهم مواطنين عراقيين أو أنهم جاءوا من دول الجوار أو غيرها- كما يعتقد البعض - ... وضرورة إعادة كل من يثبت عكس ذلك الى من حيث أتى , على أن يشتمل ذلك الموظفين والعمال الذين عَيَّنَتُهْم حكومتا " الإتحاد الوطني الالكرديي، والحزب الوطني الالكرديي " بعد 9 نيسان 2..3, بأوامر إدارية لم تصدر من وزارت الحكومة العراقية الرسمية في "بغداد" .

2. ترغيب((الوافدين العرب)) الى "كركوك" وغيرها، خلال العقود الثلاثة السابقة، للعودة الى من حيث أتوا , وبرضاهم, مقابل تعويضات مادّية ومعنوية , والإيضاح لهم بأن مواصلة بقائهم في هذه المناطق ربّما يعرّضهم وأفراد عوائلهم الى مخاطر قد لايتحسّسُونها بالوقت الراهن ... وهذا مايخفّف من المشاعر القائمة حيالهم وُيبَسِّطُ أُموراً متعدّدة ومعقـّدة ليست في صالح العراق والعراقيين عموماً.

 رابعاً: الإستفتاء

أما بحالة الإخفاق في تنفيذ تلكم المقترحات, ونجاح القيادات ذات النفوذ في تحقيق مراميها نحو إجراء إستفتاء في "كركوك والمناطق المتنازع عليها" , فمن الأفضل إتباع مايأتي :

1. بعد التأكد التام من إنجاز" اللجنة الدولية " التي طرحناها حول "التطبيع" لأعمالها , يجب إجراء تعداد سكاني بإشراف مراقبين دوليين للتوصّل الى الأعداد الحقيقية لجميع مكونات الطوائف في تلك المناطق.

2. إجراء الإستفتاء المزمع , ليس بمستوى المحافظات - بما فيها محافظة "كركوك" - , بل أن يتحقق بمستوى "مركزمحافظة , مركز قضاء , مركز ناحية , قرية"، كل على حدة , كي يكون المواطن حرّاً , كل في منطقة سكناه المحددة، وفق قناعة شخصية، بالإنضمام الى " الإقليم الكردي" من عدمه , وليس بنسبة مئوية ذات أغلبية بسيطة لعموم مواطنيها.

3. وبعد ذلك الإستفتاء , ينبغي إجراء ((إستفتاء عام)) لعموم شعب العراق , يقرّر من خلاله العراقيون جميعاً وبأغلبية الثلثين، فيما إذا كانوا يتقبّلون ضمّ جزء من هذه المحافظة أو تلك الى الإقليم أو محافظة أُخرى , وبذلك فقط قد تتحقّق شرعيةٌ لا تراجع عنها في هذا الشأن الخطير الذي يخصّ مستقبل كل العراق .

.....................................................................................................................

(#) هذا التعديل ليس من بنات أفكاري، فقد سبقني إليه مشكوراً أخي الحبيب " الأستاذ عوني عمر لطفي" ضمن دراسة غير منشورة .

د.صبحي ناظم توفيق

مستشار(سابق) للشؤون السياسية والإستراتيجية

عـمـّان / الأردن

الرئيسية
المقالات
الاخبار
الادب
الوثائق
حول المنبر
اتصل بنا
اعلانات
إصدارات

المنبر التركماني غير مسؤول عن الآراء المكتوبة ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر

Turkmen Tribune
contact@turkmentribune.com