تركمان العراق |  قضية كركوك  |  حقوق الانسان  |  كتابات مختارة عربي | Türkçe 
-
تاريخ كركوك وتنوع مكوناتها الاجتماعية والثقافية

د. مهدي الشرع

ان موقع مدينة كركوك وحواليها وجغرافيتها وثرواتها الطبيعية لها اهمية بالغة محلياً وعالمياً، كما انها كانت وما تزال همزة وصل بين المناطق الجبلية والسهول والبوادي وهي تقع في مسار الطرق التجارية القديمة والحديثة، وهي مناخيا تقع في منطقة انتقال بين مناخ المناطق ذات الامطار الغزيرة والثلوج ومنطقة البوادي والسهول الجافة ذات الامطار القليلة والحرارة العالية وزراعتها شتوية (ديمية) أي تعتمد على الامطار.

مقدمة البحث ووظيفته

لا شك بان كركوك مدينة عريقة وموغلة في القدم، حيث يعود تاريخها إلى العصور القديمة، وتشهد قلعتها المنتصبة داخل المدينة على ذلك، فهي من المدن التاريخية المهمة التي أنشئت خلال فترة ازدهار حضارة وادي الرافدين.

يذهب بعض الكتاب العرب والكرد والتركمان في العراق إلى البحث في انتماء كركوك إلى هذه القومية أو تلك القومية التي ترسخت جذورها عبر الآف السنين، وتراهم كل يبحث على حدة في المصادر التاريخية الخاصة بمؤرخي هذه القومية أو تلك، التي تتغاضى عن الحقائق التاريخية لانتساب هذه المدينة المهمة بكافة جوانبها.

فالاكراد يقولون أنها خط احمر لا يجوز لاحد الاقتراب منه، والتركمان يقولون هي جزء من مملكتهم وان غالبية السكان هم من التركمان والعرب يذهبون إلى ضرورة التعايش بين المكونات المختلفة، ويقول الآثورييون أنها جزء من الامبراطورية الآثورية.. ويرى آخرون أنها مدينة ذات تنوع عرقي قديم.

وقبل الدخول في مسألة هذه المدينة والبحث عن المصادر التاريخية يجب علينا ان نكون حياديين تجاه هذه المسألة ونتجرد من عواطفنا الشخصية وان نعترف بحقيقة الوقائع التاريخية الصحيحة بشكل ديمقراطي دون ميل إلى أي طرف حزبي كان على الساحة العراقية.

وربما لا يختلف حيال اهمية (كركوك) كمدينة أو محافظة، وكونها حالة خاصة، بل واستثنائية على مستوى العراق ووسط اوضاعه المتفاقمة امنيا وسياسيا، وان هناك خلافات وآراء متباينة باعماق معظم العراقيين إزاءها، فضلا عما يجول في نفوس سكانها، المستقرون منهم والوافدون، والمهجرون والمهاجرون، سواء اولئك الذين عادوا إلى ديارهم أو ما زالوا مغتربين عنها، وفق رؤى متعاكسة تنصب على حقوقهم التاريخية والانسانية والسياسية والاجتماعية والثقافية المتنوعة – في معظمها – بين مكونات كركوك السكانية الرئيسة من التركمان، والاكراد، والعرب وسواهم.

ناهيك عن اهميتها النابعة من ثروتها النفطية ومواردها الأخرى، وكونها عقدة لطرق استراتيجية تلتقي فيها لتربط شمالي الوطن بوسطه وبواقع ست محافظات ببعضها.

ان مشكلاتها العديدة، المتوارثة والمتراكمة على مرّ القرون المنصرمة وعقود القرن الماضي، وتلك التي انبثقت مجددا بعيد التحول السياسي الذي حصل في العراق عام (2003)، وتعقدت مع تفاقم اوضاع البلد، حتى بدا لكل ناظر ومتتبع أنها باتت حالة مستعصية يصعب معها ايجاد حلول عملية وواقعية يمكن ان ترضي الجميع أو الاغلبية مشكلاتها تتطلب دراسة مستفيضة نسلط من خلالها بعض الاضواء على تاريخ هذه المدينة وتركيبها الاجتماعي وانجازها الثقافي – ولو عبر نموذج واحد – ابتغاء التوصل إلى مسالك منطقية يمكن إتباعها – قدر الممكن – بغية تهدئة الامور ووصولا إلى ما يمكن من حلول ومعالجات.

اسم المدينة وتأريخها

اثبتت الحفريات الاريكولوجية بأنه كانت هناك مدينة تعرف بـ(آربخا أو أرنجا آرفا).

وتؤكد هذه الحقيقة دائرة المعارف الإسلامية حيث وردت فيها حول مدينة كركوك، ان كلا من (جاد) و (سدني سميث) يعتقدون بان كركوك الحالية هي نفس المدينة التي كانت تعرف بـ(آربخا).

ولهذا عمدت بلدية كركوك لاطلاق هذا الاسم التاريخي (آرفا) على الحي الجديد الذي انشئ لعمال وموظفي شركة نفط العراق بالقرب منها وتداولت إلى عرفة الحالية. بينما كان البابليون يطلقون عليها اسم (آميخة).

ويذكر العلامة توفيق وهبي: بان كركوك مدينة قديمة، وهي اقدم ذكرا في المسمارية من مدينة اربيل، واقدم ما لدينا من المعلومات الخاصة بكركوك، هو ما جاء في التقويم الجغرافي المشهور، عن ممتلكات (سرجون – سركون الاكدي: 2530- 2473 ق.م تقريبا) ففي التقويم المذكور نجد اسم بلاد (أربخ) بين اسماء أخرى كالآشورية، اللولوبي، الكوتيوم، والاكد إلخ، وقد شخصت (أربخ) بمدينة كركوك ([1]).

وجاءت التسمية نفسها (آرابخا) لمدينة كركوك في كتاب (فاتحة انتشار المسيحية في امبراطورية الايرانيين) (ميسوبوتاميا وايران 100-537) ([2]).

وجاء في (العراق قديما وحديثا)، للسيد عبد الرزاق الحسني، بان (سردنال) ملك الآشوريين هو الذي انشأ هذه المدينة مستندا إلى بعض المصادر السريانية. في حين يذهب الدكتور شاكر خصباك في كتابه (الكورد والمسألة الكوردية) إلى ان الكوتيين هم الذين شيدوا هذه المدينة. وجاء ايضا في كتاب (لمحات تاريخية) لليلى نامق جاف بان الكوتيين عاشوا في هذه المدينة واتخذوا من مدينة (ارنجا) مركزا لهم ([3]).

اما الاستاذ كريم زند فانه يرى انه في حدود القرن السادس قبل الميلاد اطلق على المدينة اسم كركوك من قبل الاهالي وهذه الكلمة كانت متداولة ايام السومريين، وهي في الاصل متكونة من (كار) بمعنى العمل و(كوك) أي الشديد والمنتظم أو العظيم([4]).

يذكر التاريخ بان كركوك كانت جزءا من الامبراطورية الميدية بعد تحالفها مع الباليين الجدد، والذي نتج عنه سقوط الامبراطورية الآشورية وتدمير عاصمتها نينوى، حيث اطلق الميديون اسم (كيهرك) على المدينة.

وفي المصادر السريانية كانت كركوك تسمى بـ(بيث كرماي)، وانه لما استطاع السلوقيون (نسبة إلى احد قواد الاسكندر) من بسط سيطرتهم على اجزاء من بلاد الرافدين، عرفت كركوك بعد ذلك بـ(مدينة سلوقس) وهناك من يقول بـ(قلعة سلوقس)([5]).

اما الاثريان العراقيان باقر طه وفؤاد سفر (ويعاضدهما الدكتور جمال رشيد)، فيرون: بان اسم كركوك له صلة بكلمة (كركر)، وهذه الكلمة كوردية، مأخوذة من طقطقة النار والنور المنبعثة منهما، اما (بابا كركر) الاسم الحالي الذي يطلق على حقل النفط القريب من المدينة وهي كلمة كوردية ايضا ومعناها (الاب النوراني). فأصله كما ذهب المحامي عباس العزاوي لشيخ مشهور من شيوخ بكتاشية كركوك اسمه (بابا كركر) ([6]).

وقيل: ولما انتشرت الديانة المسيحية في وادي الرافدين، أصبحت كركوك مركزا ثقافيا مسيحيا للسريان، وسميت بيت كرماي، أي بيت العظام، نسبة إلى المجزرة التي كان ضحيتها بضعة الآف من المسيحيين في القرن الرابع الميلادي في عهد الساسانيين، وظلت مركزا اشعاعيا للثقافة المسيحية طوال فترة الفتوحات الإسلامية([7]).

ومن الثابت تاريخيا ان الخوريين هم الذين كانوا يقطنون كركوك وتوابعها في الالف الثاني والاول قبل الميلاد، ويوم ذاك كانت كركوك تعرف باسمين – آرباخا واليلاني – أي مدينة الآلهة.

 ويذهب الباحث الكردي عوني الداوودي إلى ان الدلائل التاريخية تشير ان الكوتيين على الارجح هم الذين وضعوا اللبنات الأولى لبناء هذه المدينة ([8]).

 والحوريون يؤلفون شعبا انحدر منذ الالف الثالثة قبل الميلاد من الجبال الشمالية، ولعبوا دورا مهما في تأريخ الشرق الادنى وسياسته وثقافته في الالف الثاني قبل الميلاد ([9]).

 ومن الاسماء التي اطلقت على كركوك اسم (نوزي) وقد اطلقه الحوريون على مدينة كركوك، وقد اكتشفت فيها لوحات باللغة الاكادية تتضمن معلومات تاريخية عن الحوريين وعن حياتهم الاجتماعية والاقتصادية ([10]).

 ومن الحقائق التاريخية الثابتة ايضا ان الحوريين الذين حكموا بلاد آشور على مدى قرن من الزمان، هم الذين شيدوا دون ريب، عددا من توابع كركوك اهمها (طوزخورماتو)، وهذه الكلمة مشتقة من كلمتي (خور) أي: الخوريين – الحوريون، و(ماتو): باللغة الاكادية المدينة، أي مدينة الخوريين، وظل (خورماتو) متداولا في العصور الإسلامية([11]).

 ويقول البروفسور كمال مظهر، واخيرا اضاف اهل المدينة عن جهل كلمة (دوز) الذي يعني الملح في اللغة التركية، إلى ان أصبح اسمها في التداول إلى (طوزخورماتو) ([12]).

 فمهما تكن الاجتهادات حول اصل تسمية كركوك، وقدم المدينة لا شك في ان إنشاءها يعود إلى الالف الثاني قبل الميلاد([13]). فمنذ القدم كانت كركوك جزءا من بلاد الرافدين.

 واقدم ذكر ورد لها باسم (ارابخا) في التقويم الجغرافي الشهير عن ممتلكات الملك سرجون الاكدي. وهناك من يعتقد ان اسم – كركوك – اتى من السومرية بمعنى العمل العظيم([14]).

 وهي في بقعة مهمة من الشرق الاوسط بشمال وادي الرافدين مهد الحضارة القديمة ..واستفادت المنطقة من الاقوام والدول المجاورة والتي كانت لها اقدم حضارة في العالم وهم السومريون والاكديون والبابليون في جنوب وادي الرافدين وتعلموا الكتابة منهم منذ القدم معتقدات واديان مختلفة وبنوا المعابد وظهر فيها العلماء والشيوخ من أصحاب المذاهب والمعتقدات المختلفة.

مدخل جغرافي للمدينة

 تذكر بعض المصادر ان قلعة كركوك المقدر عمرها بالآف السنين، الدائرية الشكل، العالية، المتسعة، ذات الاحياء والشوارع والازقة والابنية المتنوعة في طُرُزِها واحجامها، هي اصل مدينة كركوك التي انبثقت حوالي قلعتها وعلى جانبي نهر (خاصة صو)، وعلى مر القرون، احياء سكنية احدث، امثال (مصلّى، بريادي، جُقُور، امام قاسم) شرقي النهر.. و(فوزيه، صاري كهيه، نفطجلر، تكريتللر، قشله، تسن) في غربيّه([15]).

وتقع المدينة في منطقة سهلية على ضفتي نهر (خاصة جاي) الذي تجري مياهه في السنين الممطرة شتاءً ويجف صيفاً، وهي في منطقة متوسطة فيما بين نهر الزاب الصغير الذي يقع شمالا والذي يبعد عنها حوالي 40كم شمالا غربيا (التون كوبري) الذي يصب قرب نهر دجلة وسلسلة جبال (تلال) حمرين جنوبا غربيا قرب بلدة الفتحة ويتقاطع مع نهر دجلة بمسافة (120كم)، ونهر ديالى من الجنوب الغربي.

 واقرب مسافة لها هي قره خان (جلولا) بمسافة (110كم) ومرتفعات قره حسن وشوان وجمجمال شرقا وشمالا شرقيا وثم سلسلة جبال قره داغ وبازيان ومرتفعات منطقة السليمانية شرقا التي تبعد حوالي (100كم).

 كانت مساحة (لواء) كركوك عند تأسيس الدولة العراقية بعد الحرب العالمية الأولى عام 1921حوالي (20,000كم2). وبعد تطبيق سياسة التعريب البعثية عام (1972) أصبحت (9426كم2) وكانت تتكون من الأقضية التالية:

1- قضاء كركوك المركز.

2- قضاء داقوق (طاووق).

3- قضاء كفري (صلاحية).

4- قضاء جمجمال.

وبعد تنفيذ سياسة التعريب البعثية عام 1972 قلصت الاقضية والحقت بالمحافظات المجاورة لتقليل كثافتها السكانية التركمانية، كما تم تغيير اسم كركوك إلى محافظة التأميم تزامنا مع تأميم شركة النفط العراقية. وحصل التغيير كالآتي:

- الحق قضاء كفري بمحافظة ديالى.

- والحق قضاء طوزخورماتو بالمحافظة الجديدة صلاح الدين (تكريت) .

- والحق قضاء جمجمال بمحافظة السليمانية.

- وألحقت ناحية التون كوبري بمحافظة اربيل.

- واستحدث قضاء جديد في الحويجة باسم الرياض([16]).

قضية النفط والموارد الأخرى في كركوك

ان موقع مدينة كركوك وحواليها وجغرافيتها وثرواتها الطبيعية لها اهمية بالغة محلياً وعالمياً، كما انها كانت وما تزال همزة وصل بين المناطق الجبلية والسهول والبوادي وهي تقع في مسار الطرق التجارية القديمة والحديثة، وهي مناخيا تقع في منطقة انتقال بين مناخ المناطق ذات الامطار الغزيرة والثلوج ومنطقة البوادي والسهول الجافة ذات الامطار القليلة والحرارة العالية وزراعتها شتوية (ديمية) أي تعتمد على الامطار.

وفي المنطقة مياه جارية وانهار ساعدت على انتعاش الزراعة الاروائية وطورت مياهها الجوفية بالكهاريز (آبار متصلة ببعضها وتخرج مياهها إلى سطح الارض) وطورتها باحسن هندسة استثمارية وهي من المناطق الفريدة في العالم، وتتنوع زراعات المنطقة وتكثر غلاتها وخاصة القمح والشعير وتهتم الزراعة الاروائية باشجار الفاكهة والكروم والخضروات وتصدر إلى مختلف المناطق([17]).

واعظم ثروة في المنطقة كانت وما تزال هي ثروة النفط. استغل الإنسان في بلاد الرافدين القير (الاسفلت) والنفط منذ القدم في الانارة والتدفئة والتبليط وصناعة المراكب المائية (القفه والبلم والشخاتير) والاواني وغيرها، واستثمر النفط في منطقة باباكركر موقع النار الازلية بسبب خروج الغازات القابلة للاشتعال وحال خروجها وتماسها للهواء (الميثان والايثان).

وكان الفائض يرسل إلى مناطق أخرى. فكانت هذه الثروة العامل الرئيس والمشجع للاستعمار الغربي والانكليز خاصة للاستيلاء على المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الامبراطورية العثمانية. ولتحقيق ذلك استعانت انكلترا بكل الدسائس والحيل واسست أول صناعة نفطية في الشرق الاوسط (عبادان عام 1907).

كما ان النفط ينضح في الاراضي المجاورة لوادي النفط الذي كان يجري فيه النفط في بعض السنين ويسمى (نفط دره سي)، ووجدت في المنطقة آبار سطحية (بلغت ثلاثة آبار) خاصة بعائلة كركوكية كانت تستثمر بالطرق البدائية (طريقة السحب اليدوية بالدلو) ويضمن محصولها لافراد من الاهالي حيث ينقلون النفط الخام بواسطة الحيوانات ويباع للاهالي والحمامات لاستعماله كوقود.

وفي اواخر العهد العثماني وبعد ان تعرف خبراء الغرب على هذه الثروة الحيوية اضطر السلطان عبد الحميد ان يعلن حقوق النفط من الاراضي (السنية) ولا يجوز التصرف بها إلا بإذن السلطان شخصياً.

وفي عام 1908 تقرر فتح امتياز استثمار النفط للالمان ثم تشكلت شركة النفط التركية التي اشترك فيها الانكليز ايضا، بعد الحرب العالمية الأولى، وقد جهد الانكليز للسيطرة على حقول نفط كركوك. وبعد فراغها من الحاق ولاية الموصل بالعراق الذي كان تحت انتدابها، أصبحت انكلترا هي صاحبة الامتياز وبيعت حصة الالمان لفرنسا وهولندا وغيرها.

خلال التحريات والمسوحات النفطية في منطقة باباكركر ووادي النفط حاول الانكليز السيطرة على الاراضي المحاطة بآبار النفط الطبيعية وشرائها من عائلة النفطجي المالكة لتلك الآبار ورفض الطلب. واستمروا بستعداداتهم لاستثمار النفط منذ عام (1925).

في المناطق المجاورة لطوزخورماتو كانت هناك حقول أخرى في (جمبور) استغلها الانكليز بالسرعة الممكنة واعدت حفلة افتتاحها في 1-4-1927 وعرضت للاستهلاك في عام 1931 وغير الانكليز اسم الشركة إلى الشركة العراقية وبدأ انتاج آبار نفط كركوك حتى ان احد الآبار انفجر نفطه ووصل لارتفاع يزيد على (70م)([18]).

وتدخل الخبراء العالميون للسيطرة على الانفجار وتوقف النفط عدة شهور وجرى النفط في الوادي المجاور لعدة شهور ايضا وفي العام نفسه مد خط النفط الرئيسي بالانابيب إلى سواحل البحر المتوسط لتصديره إلى أوربا. وكان مساره كركوك – الفتحة – الحديثة. حيث ينقسم إلى خطين احدهما إلى حيفا والاخر إلى بانياس.

وتأسست المراكز السكنية على طول خط الانابيب ابتداءً من مقر الشركة في عرفة. وتم جلب العمال والتقنيين من مختلف المناطق واكثروا من تشغيل الاشوريين والآرمن بالاضافة لاعداد محدودة من التركمان والاكراد والعرب.

وللتاريخ فان العقل المخطط والمحرك لاضراب (كاور باغي) كان هو الحزب الشيوعي العراقي، حيث اعطى الاشارة إلى بدء الاضراب في يوم 3تموز 1946 واستجاب للدعوة ما يقارب خمسة الآف عامل، وكانت المطالب الاساسية للمضربين هي زيادة الأساس الادنى للاجر اليومي من 80الى 250فلسا، والاعتراف بحقهم في تشكيل نقابة، وادخال نظام التأمين ضد المرض والاعاقة والشيخوخة، والحد من الطرد التعسفي بحقهم.

وكان غالبية العمال من شركة نفط العراق، وبعد عدة جلسات لم يتوصل الطرفان إلى حل يرضي الطرفين، وكان من عادة العمال ان يتوجهوا يوميا إلى حدائق كاور باغي لقضاء ساعات، وفي 12تموز وجد العمال انفسهم محاطين بقوات الشرطة من ثلاثة جوانب لينهالوا عليهم بالهراوات بداية، وبعد تفرق شمل المضربين اطلقت الشرطة عليهم الرصاص، وحصل ما حصل، وبعد اجراء التحقيق كان كل القتلى مصابين في الظهر([19]).

بالاضافة لثروة النفط في منطقة كركوك فهناك الكبريت الذي ينتج من خلال التصفية الاولية للنفط. ويعتبر انتاج الغاز الطبيعي خلال تكرير النفط ايضا ثروة كبيرة تضيع في الهواء بعد احراقها دون عرضها للاستهلاك داخل البلاد أو خارجها وبذلك بقيت ولا تزال منطقة كركوك محرومة من هذا الوقود العظيم.

وهناك في منطقة كركوك وطوزخورماتو ثروة الملح والمرمر والجص المستعمل في البناء. وكذا الطين الحر (طين خاوا) لانتاج الاواني الفخارية التي كانت ولا تزال صناعة مهمة لاهل البلد وتصدر الانتاج (اواني وسنادين وتماثيل) إلى خارج كركوك.

ومن الجدير بالذكر ان طموح الاكراد في المناطق النفطية من كركوك، بدأ يزداد مع ازدياد اهمية النفط في الاسواق العالمية بعد عام 1925.

إلا ان تأثيرهم السياسي المسلح بدأ يزداد مع قيام ثورة 14تموز عام 1958م. فلأول مرة في تاريخ العراق يقر الدستور العراقي المؤقت، الذي صاغه عسكريون وقوميون، بوجود القومية الكردية جنبا إلى جنب مع القومية العربية.

وقد ساعد التحالف الذي قام بين القيادة الكردية والحزب الشيوعي العراقي، في مستهل الحكم الجمهوري في فرض السيطرة على مدينة كركوك وإحداث مجزرة كركوك عام 1959.

وهنا فلابد من تبيان شيء هام وهو ان احتياطي النفط في هذه المدينة يصل إلى ارقام مذهلة وتكاد لا تصدق للوهلة الأولى والرقم المتوقع هو اثنا عشر مليار متر مكعب.

وكذلك فقد تعرضت كركوك خلال تاريخها الطويل لغزو العديد من القوى والامبراطوريات التي حاولت فرض هيمنتها على هذه المدينة والمناطق التابعة لها لوقوعها على الطريق الستراتيجي الذي كان يربط شواطئ البحرين المتوسط والاسود بالخليج وطريق الحرير الذاهب إلى اواسط آسيا والصين.

التركيب اللإثني والقومي لكركوك

تختلف كركوك عن باقي المحافظات في العراق كونها مدينة غنية بآبارها النفطية ومواردها الأخرى كما مر، وللتنوع السكاني الذي تتميز به المدينة، وما رافقها من احداث دموية وسياسات غير انسانية بحق سكانها العرب والتركمان والاكراد ولا شك بان المسيحيين ايضا من السكان القدماء في المدينة وما المذابح التي اوقعها

هم تيمور لنك إلا شاهد على ذلك.

كما يرى بعض الباحثين ان كركوك شهدت اقدم الكنائس في التاريخ عام 470 ميلادي، وظلت هذه الكنيسة حتى فجرها الاتراك بعد انسحابهم عام 1918. وان جامع النبي دانيال المعروف في المنطقة قد اقيم محل كنيسة نسطورية قديمة ظلت قائمة حتى عام 1700م. والحقيقة انه توالت على (قلعة كركوك) الحضارات باعراقها ودياناتها ومقدساتها ومذاهبها، فورثت عنها عمرانها ودور عباداتها ومقابرها ومقاماتها المتنوعة، قبل ان تبنى جوامعها الإسلامية العديدة في العهود الاموية، العباسية، السلجوقية، آق قوينلو، قره قوينلو وغيرها، فضلا عن العهد العثماني.

وبعد تكوين ولاية الموصل عام 1879 تبعت كركوك هذه الولاية. وفي عام 1918 فصلت عن كركوك ثلاثة اقضية لتكوين لواء اربيل. اما بالنسبة للتركمان القاطنين في المنطقة فهم من بقايا عدة مجاميع بدأت تستقر منذ القرن الثامن قبل الميلاد واستمر مع السلاجقة والاتابكة والعثمانيين، وقد امتزجوا بالسكان السريان والعرب وحملوا ميراثهم الحضاري رغم تمايزهم اللغوي. علما بان اللغة التركمانية هي الشائعة بين سكان مدينة كركوك حتى بين غير التركمان من عرب واكراد وسريان([20]).

 وبعد ازدياد النفوذ التركي في العراق، لا سيما عند وصول (القائد طغرل بك) فاتحا بغداد على رأس السلاجقة الترك عام 1115م، أصبحت مناطق شمال الرافدين كالموصل واربيل وكركوك من مراكز النفوذ التركي، فاقام فيها التركمان الدول والامارات، مثل امارة الموصل، واربيل، وكركوك، ونشأت علاقة حميمة بين رؤساء دولتي (الخروف الابيض والخروف الاسود التركمان) والمسيحين في كركوك واربيل، فاعتنق قسم منهم الدين المسيحي.

وظلت هذه المناطق تحت حكم التركمان زهاء قرنين من الزمان ولحين زحف العثمانيين إلى بغداد واقامة الامبراطورية العثمانية عام 1515م، حيث خضعت جميع الزعامات التركمانية المحلية لحكم العثمانيين فانخرط التركمان في الحياة المدنية واصبحوا جزءا مهما من التركيبة السكانية([21]).

وهكذا العثمانيون، الذين حكموا العراق (بحدوده الدولية الحالية) طيلة اربعة قرون متواصلة، قد جعلوا كركوك – من الناحية الادارية – قضاءً تابعاً إلى (ولاية الموصل)، قبل ان يتم ربطه اداريا بـ(ولاية شهروز – السليمانية) في اواخر العهد العثماني، وإنها لم تصبح لواءً – محافظة إلا بعد الاحتلال البريطاني للعراق (1918) وترسيخ حدوده الدولية عند تأسيس دولة العراق الملكي (1921)، حيث تألفت من اربعة اقضية هي:

 (مركز كركوك، طوزخورماتو، كفري) – ذوات الاغلبية التركمانية – والحويجة ذات الاغلبية العربية، قبل ان يفصل قضاء (جمجمال) – ذو الاغلبية الكردية – من (لواء السليمانية) عام (1946) ويضم إلى (كركوك)....

ذلك الذي جعل من هذا اللواء – المحافظة ذات ديموغرافية من ثلاث قوميات رئيسة، إلى جانب اقليات أخرى كالمسيحيين بطوائفهم ومذاهبهم العديدة، وكذلك اليهود حتى عام (1954)([22]).

وظهرت في المنطقة امارات ودويلات محلية أو دخلت تحت حكم دول أو امبراطوريات كثيرة، البعض منها غازيا عابرا والبعض منها كان مستقرا لفترات مختلفة من الزمن.. وتتابعت الحكومات والدول على مدى العصور والازمان، وكان الحكام والغزاة من قوميات واجناس واديان ومذاهب مختلفة، وحكمت لمدة قصيرة أو طويلة ثم سقطت أو انقرضت وانصهرت في بوتقة المجتمعات المحلية حسب نظرية (الاكثرية تبلع الاقلية)([23]).

 

وجاءت إلى المنطقة موجات اثنية (عرقية) مهاجرة مختلفة قسم منها جاء طوعا أو جبرا ساعدت على تطوير حضارة المنطقة ايجابيا أو سلبيا.

وقد اقامت هذه الموجات القلاع والمواقع العسكرية على طول هذا الطريق لحماية قوافلها التجارية وخطوط مواصلاتها العسكرية، ووضعت حاميات عسكرية فيها للدفاع عنها، والقيام بالحركات العسكرية ضد السكان الجبليين الذين كانوا يغيرون عليها وضد القوى المعادية لها.

وقد ادركت هذه القوى ومنذ العصور القديمة الاهمية الاستراتيجية لكركوك وغيرها من القصبات الواقعة على هذا الطريق، وجرت محاولات عديدة من قبل الدول والامبراطوريات المختلفة لاسكان رعاياها على طول هذا الخط وبخاصة خلال العصر الحديث، وقد نجم عن ذلك تنوع اثني لسكان كركوك والمدن والقصبات الواقعة على هذا الطريق، وسكنت المنطقة اقوام كثيرة واعتنقت اديانا ومذاهب وطوائف مختلفة.

اخيرا وصلت الاختلافات والانشقاقات في الدول العربية والاسلامية وتمركز العداء فيما بين مكونات الشعب العراقي بشكل عام ومنطقة كركوك بشكل خاص واصبحت الدولة نفسها تستعمل الإرهاب والبطش والقتل والامحاء بحق جماعة أو أخرى دون مبرر أو قانون. والغريب ان الحكومات المختلفة توسلت باعنف الطرق غير القانونية بحق بعض مكونات الشعب مثل تخريب القرى والمدن والترحيل والتهجير القسري....الخ ويعتقد محمد امين زكي ان كركوك في حدودها الحالية التاريخية والجغرافية المعروفة كانت عبر قرون جزءا من امارة اردلان، وقد كلف السلطان مراد الثالث امير الموكريين عام 11583بادارة أيالة شهرزور التي كانت مركزاً لها، وكانت تتبعها اربيل ومنطقة السليمانية الحالية.

وانه منذ اواخر القرن السابع عشر أصبحت ضمن ممتلكات الامارة البابانية التي حلت محل اردلان في الكثير من الاصقاع، وكانت الامارة البابانية تضم في عصرها: قه لا جولان، كركوك، اربيل، كوي، رواندوز، حرير، بأنه، كفري، قره ته به، مندلي، بدره، داوده، عسكر، شوان، جه مجه مال، قره داغ، حتى نهر ديالى، سردشت، مه ركه، بشده ر، ماوه ت، آلان، كه لاله، جوارتا، سويل، فينك، قزلجه، قه ره حسه ن، قصر شيرين، وزهاو([24]).

اما القبائل التركمانية القزلباشية التي رافقت حملة الشاه عباس الصفوي عام 1623-1630 ثم حملات نادر شاه الافشاري خاصة خلال 1743-1746 على كركوك واربيل والموصل والتي تخلف بعضها واتخذت من بعض السهول القريبة من كركوك والموصل مراعي لحيواناتها، فكانت تعادي الدولة العثمانية وتناصر إيران التي كانت الانتماءات المذهبية والعرقية والاجتماعية توحدها مع هذه القبائل.

وفي اواخر القرن التاسع عشر وحتى نهاية القرن العشرين بعد تقدم العرب حضاريا وازدياد سكانهم وضعف الدولة العثمانية يلاحظ تدخلات الغرب باشكال مختلفة، تارة باسم حماية المسيحيين ومذاهبهم، وتارة باسم نشر المبادئ الاجتماعية والسياسية ((الشيوعية والقومية)) وتارة باسم القومية والدينية بشكل عام وحصلت الفرقة إلى درجة ان افرادا من نفس العائلة أو القبيلة اصبحوا ضد بعضهم.

ومع زوال آخر امارة كوردية وهي الامارة البابانية عام 1851 كنتيجة للسياسة الجديدة للباب العالي في كوردستان، إذ تخلت الدولة العثمانية عن سياساتها التقليدية في كوردستان والتي كانت تتلخص بابقاء الامور فيها بأيدي الزعماء المحليين لقاء اعلان التبعية للسلطان وما يترتب على ذلك من ذكر اسمه في خطبة الجمعة وارسال المقاتلين للقتال إلى جانبه وارسال الهدايا والاموال سنويا إلى البلاط العثماني([25]) بدأ عهد جديد من التنوع العرقي والقومي والاثني ... لوحظ فيه ان معظم هذه الاقوام قد تعارفت وتعاونت فيما بينها جنبا إلى جنب في نفس القرية أو المدينة وحصلت فيما بينهم علاقات اجتماعية عائلية وسياسية وحصل فيما بينهم التزاوج والتصاهر على جميع المستويات إلى درجة انه أصبح من الصعب فصل العائلات والقبائل عن بعضها واستمرت هذه العلاقات حتى يومنا هذا.

تعداد المكونات السكانية لكركوك

 لا توفر المصادر التاريخية المتوفرة معلومات وافية عن التركيب القومي لسكان كركوك وغيرها من المدن والقصبات الواقعة على هذا الطريق خلال العصور التاريخية المختلفة، ولكنا ومنذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر نجد اشارات متفرقة في المصادر التاريخية إلى التكوين الاثني لسكان كركوك وغيرها.

 وتعاني الاحصائيات الرسمية إلى جنب شمولها على التشويه والتزييف فيما يتعلق بالتكوين الاثني للسكان من نواقص جدية، فقد ذكر مؤرخ الادب الكوردي علاء الدين سجادي بهذا الخصوص بان الحكومة العراقية طلبت في19-11-1947 من السكان البقاء في البيوت، وذلك لاجراء التعداد العام للسكان، ورغم انه لم يخرج من البيت، لم يحضر احد لتسجيله.

 ويؤكد بأنه عندما دقق في الأمر تبين له بان أكثر من نصف مليون انسان لم يسجلوا خلال تعداد عام 1947([26]).

 ان من اقدم الاشارات في هذا المجال هو ما كتبه المهندس الروسي يوسيب (يوسف) جيرنيك الذي زار كركوك ضمن جولته العلمية خلال 1872و1873، لدراسة امكانيات الملاحة النهرية في حوضي دجلة والفرات وروافدهما، ونشر نتائج رحلاته ودراساته فيما بعد في 1879 في المجلد السادس من نشرة القفقاس للجمعية الجغرافية الملكية الروسية. فقد قدر جيرنيك عدد سكان كركوك في ذلك الوقت بـ(12-15) الف نسمة([27]).

 مع سقوط امارة بابان وتكريس سيطرة الباب العالي المباشرة على كركوك والقصبات الأخرى الواقعة على الطريق الاستراتيجي المذكور اخذت مظاهر التعددية الاثنية تظهر وتترسخ في كركوك..

 وتتناقض الارقام التي يذكرها الرحالة والكتاب الانجليز إذ يذكر ميجرسون الذي بقي 16يوما فيها عام 1907 قضاها في إحدى خاناتها بوسط السوق الذي كانت تسوده اللغة التركية عن كركوك: "لابد ان يكون عدد اهل المدينة 15الفا على الاقل، أنها من المدن الكائنة على حدود كوردستان يتكلم اهلها ثلاث لغات، فالتركية والعربية والكوردية يتكلمها كل انسان، وتستخدم الأولى والاخيرة في الاسواق على اختلاف.

 "ويؤكد (سون) على تواجد الكورد والترك والكلدان والسريان والتركمان والعرب واليهود والآرمن في المدينة وسيادة روح التسامح فيها وتمتع سكانها بحرية عظيمة وخلوّها من التعصب الديني والقومي، واعتبر اللغة التركية سائدة فيها إلى حد كبير، واعتبرها مشهورة بتركمانها وفواكهها ونفطها الخام([28]).

 ان سيادة اللغة التركية في وسط المدينة وسوقها الرئيسة بالصورة التي شاهدها ميجرسون وكونت لديه ذلك الانطباع، تشير إلى حقيقة ان السياسات العثمانية خلال اقل من نصف قرن في المدينة كجعلها مركزاً لحماية عسكرية تركية وفتح المدارس والدوائر الأخرى فضلا عن اسكان الموظفين العثمانيين وعائلاتهم، اخذت تعطي ثمارها. وقد كتب ادمونز يقول: "بقيت كركوك بلدة هامة من الناحية العسكرية ووضعت فيها حامية دائمية، كما أنها كانت موطنا مهما يمد الحكومة العثمانية بالموظفين المدنيين والجندرمة موضع الاعتماد، والى هذا تعود أسباب التشكيل العنصري واللغوي للسكان، ان الاسر الارستقراطية البارزة، هي اما تركية، واما تعتبر نفسها تركية حتى وان كانت كوردية الاصل".

 واول احصاء قامت به دائرة رسمية في لواء كركوك بعد الحرب العالمية الأولى هو ما اشار اليه محمد امين زكي في مذكرته المشهورة إلى الملك فيصل الأول في 20كانون الأول 1930 والذي سماه بالاحصاء الكيفي قامت متصرفية لواء كركوك باجرائه وكانت نسبة السكان في اللواء على أساس القومية كالآتي: الكورد 5%، التركمان21,5%، العرب 20%، والاقوام الأخرى 7,5%([29]).

 واثناء بروز مشكلة الموصل قدمت الاطراف المختلفة ذات العلاقة (تركيا وبريطانيا والعراق) ارقاما متباينة عن التكوين الاثني لسكان الولاية بما فيها كركوك. فقد قدر الانجليز في تقاريرهم المقدمة إلى لجنة عصبة الامم عدد سكان كركوك حسب انتمائهم الاثني عشية الحرب العالمية الأولى كما يلي: الكورد 45الف، الترك35الف، العرب10آلاف، المسيحيون 600واليهود 1400اي ان مجموع سكان اللواء حسب تقديراتهم كان 92الف نسمة، بينما قدر الجانب التركي عدد سكان اللواء بضعف ذلك الرقم، فقد كانت الارقام التركية على الشكل التالي: الكورد 97الفاً، والترك79الفاً، والعرب 8آلاف أي ما مجموعه 184الفاً([30]).

وكان تصنيف السكان من حيث اللغة الأم في كركوك المدينة واللواء بموجب احصاء عام 1957 كالآتي:([31])

 

 

اللغة الأم

 مدينة كركوك

 بقية لواء كركوك

 المجموع الكلي للواء كركوك

عربي

27127

82493

109620

كوردي

40047

147546

187593

 إيراني (فارسي ج.ق)

101

22

123

تركي (تركمان ج.ق)

45306

38065

83371

انكليزي

634

63

697

فرنسي

35

6

41

هندي

79

8

87

كلداني وسرياني

1509

96

1605

لغات أخرى

418

----

418

غير مبين

5146

138

5284

المجموع

120402

268437

388839

اما في احصائية عام 1965 لمدينة كركوك فقد بلغ تعداد السكان 473626. وجاءت النسب حسب الجدول التالي:

184535 من العرب

170905 من الكرد

92429 من المسيحيين ([32]).

جماعات ثقافية في كركوك؛ نموذج التآخي الإبداعي

وكان من اكبر هذه المجموعات وأكثرها لفتاً للنظر مجموعة كركوك التي تضم عربا وأكرادا وآشوريين وكانوا يكتبون بالعربية.

جسدت جماعة كركوك الثقافية معنى التآخي الابداعي في مدينة سمتها البارزة بعد النفط، تنوعها القومي والاثني، والتي جرت المدينة إلى حوادث دموية يصعب تبريرها بعد قراءة تأريخها الحضاري الطويل والعريق ذاك.

وبالرغم من خصوصية المدينة وتكتلاتها القومية اجتمعت هذه الفرقة من أبناء كركوك تجمعهم جمالية اللغة التي كتبوا بها وهاجس الشعر والادب الذي حاولوا من خلاله تغيير السائد من الافكار البالية على اختلاف قومياتهم ودياناتهم. همها الابداع، والتمرد على كل ما هو تقليدي.

يصف هذا اللقاء احد المحركين الاساسيين في هذه الجماعة وهو سركون بولص بقوله:

(وان التقاء هذه المجموعة الدينامية في مدينة مثل كركوك في تلك الفترة بالذات ليس اقل ن معجزة صغيرة)([33]).

وجماعة كركوك هم فاضل العزاوي، سركون بولص، يوسف الحيدري، أنور الغساني، مؤيد الراوي، محي الدين زنكنة، صلاح فايق، جليل القيسي، جان دمو، والاب يوسف سعيد.

ولكل واحد من هؤلاء بصماته الواضحة والمتميزة في جيل الستينات العراقي سواء في الشعر أو القصة أو المسرحية.

وعلى الرغم من حياة المنافي التي ابعدت الجماعة عن بعضها في دول العالم، لم تنقطع الاتصالات ولا الزيارات القصيرة ليعيدوا تلك الايام التي يحنون إليها بشكل يدعو للدهشة والاعجاب، حتى جعل الاب يوسف سعيد من الكنيسة مكانا للاجتماع، واللقاء، والنقاش حول القصيدة والجديد في الادب العالمي([34]).

وتحتل كركوك مكانا خاصا في ذكرياته: (كان شارعان يمتدان في تلك المدينة الباهرة، في احدهما، وفي امسية ما، التقيت بشاعر بسيط جدا، دلني باصبعه إلى بقية الشعراء والكتاب.

فارق العمر والعمل اليومي، كانا يفصلاننا، بالاحرى يفصلانني عنهم، إذ كنت قسا مسؤولا، اعيش في شارع اسمه شارع المحطة، حين التقيتهم كانوا شبابا مراهقين، بدل ان يقرأوا كتب الغزل وجدتهم يلاحقون افضل ما في الادب العالمي من رواية وشعر).

وفي مكان آخر يقول: (واغرب ظاهرة في هؤلاء انهم كرسوا حياتهم تماما للثقافة والشعر، يعيشون بزهد، بلا طموحات مادية أو وظيفية، وبقوا هكذا حتى الآن ما يدهش إلى اليوم، هو ان هؤلاء جميعا، حين التقيت بهم، كانوا في قلب الثقافة العالمية، يبحثون عن الجديد، واحدهم يحمل اكتشافه إلى الآخرين دون ان يفصلهم أي انتماء ديني أو قومي أو سياسي... ليتنا، واقصد كل المجموعة، نلتقي ونحج، كل عام، تلك المدينة الجميلة ونعقد جلساتنا في باحة تلك الكنيسة أو في بيت احدنا)([35]).

اذن هذه هي فاعلية الثقافة التي لم يفهمها السياسي. قبل أكثر من ثلاثمائة عام صرخ الشاعر الكوردي احمد خاني صاحب ملحمة (مم وزين): ليس الشاعر مسؤولا عن الظلم الذي يحصل، بل الحكام والملوك.

فبالإضافة إلى جهد هذه المجموعة المتميزة، للارتقاء بالشعر والادب بصورة عامة، ما ميزهم عن باقي جيل الستينات، هو التنوع القومي والديني لهذه المجموعة التي حمل الواحد منهم ارثه التاريخي واللغوي وثقافته المتميزة عن الآخر، ليضيفها إلى اللغة التي كتبوا بها (العربية) لينتج بالتالي ادباً انسانيا لا تشوبه النعرات الطائفية والقومية والدينية.

فالتنوع جاء هنا ليضيف ويغني، على العكس من السياسي الذي حاول توظيف تلك الاختلافات العرقية ليعبر عن مكونة الطائفي الشخصي ليكون بالنتيجة هو المستفيد من تلك التناحرات، وهذا ما حصل بالضبط في احداث كركوك الدموية التي مرت عليك اثناء البحث.

الفعل الثقافي لهذه المجموعات الثقافية يطلعنا على الوجه الآخر، الجميل والمشرق لهذه المدينة التي حجبت عن الانظار، وكأن لا شيء في المدينة غير النفط، بسبب السياسات الحمقاء للانظمة المتعاقبة، وقصر نظر وجهاء المدينة الذين انساقوا وراء الشعارات والعواصف.

هذه العصبة جاءت من كركوك، انسلخت عن تأريخ طويل للتطور الفني والفكري لتلك المدينة التي يبدو أنها كانت على الدوام مدينة لاناس معتوهين بالفن والغناء والفكر والحب.

الإطار الاوسع الذي كانت تنتمي اليه جماعة كركوك عند وصولها إلى بغداد كان يجمع شخصيات مثل سعاد الهرمزي (الكاتب والصحفي والمذيع)، عبد الصمد خانقاه (القاص المحامي)، قحطان نجاتي الهرمزي (القاص)، عصمت نجاتي الهرمزي (الممثل)، محي الدين زنكنة (القاص)، يوسف الحيدري (القاص)، زهدي الداوودي (القاص والمؤرخ)، علي حسين السعيدي (الممثل والمخرج)، محمد احمد رستم (القاص)، القس يوسف سعيد (الاديب)، وحول هؤلاء، وفي اطار أوسع كان هناك سنان سعيد (الصحفي والرسام)، محمود العبيدي (الرسام)، العقيد صديق احمد (الرسام)، فائق معصوم (القاص)، حسين علي الهورماني (القاص) الشاعر الشيخ رضا الطالباني والشاعر ده هجري([36]).

 والشاعر الأخيرده ده هجري كان يكتب الشعر باللغات الكوردية والتركية والفارسية وله (18) مؤلفا باللغات الثلاث وله ديوان بالفارسية بعنوان (التحفة السليمانية) يصف مدينة السليمانية ومناطقها وجمالها واسماء العشائر وعوائلها المعروفة، وكان يجيد اللهجتين الكورديتين الموكرية والهورمانية ويكتب بهما الشعر، علما بان اللهجة الهورامية (الكورانية) هي اللهجة التي تتحدث بها عشيرة الكاكائي الكوردية المعروفة والتي هي من العشائر العريقة في كركوك.

 وهجري ده ده كان من المشاركين في جريدة (كركوك) التي كانت تصدر في الثلاثينات والاربعينات من القرن العشرين وكان ينشر غالبية اشعاره الكوردية في اعدادها، وكذلك كان ينشر اشعاره الكوردية في جريدتي (زين) و(زيانوه) الكورديتين اللتين كانتا تصدران في السليمانية. والقى الشاعر ده ده هجري أربع قصائد باللهجتين الكورديتين التي ذكرتهما وبالتركية والفارسية في تأبين صديقه الشاعر الكوردي الكبير المعروف بيره ميرد في 25/8/1950في السليمانية وكان يلقي قصائده مع نشيج البكاء الحار لفقدان هذا الشاعر الكبير([37]).

 ويستعرض انور الغساني في مكان آخر في شهادته، السجون والتعذيب التي مر بها هؤلاء الادباء، (كانت اعوام بغداد بالنسبة لجماعة كركوك زمن تثقف ومعاناة. كانوا حين وصلوا إلى بغداد قد مروا بالمعتقلات والسجون والتعذيب، وشاهدوا الموت والاغتيالات. مؤيد وإنا رأينا من باب محجر سجن كركوك ذات مساء ستة وعشرين رجلا يدخلون إلى البناية الرئيسية للسجن ثم يخرجون في الليل امواتا بعد اعدامهم. الجثث نقلت بعدئذ، عند الفجر، بشاحنة ليجري تعليقها على اعمدة الكهرباء في الشوارع. في الصباح خرج الذين كانوا يعتبرونهم اعداء لهم بالطبول والمزامير ليحتفلوا بموتهم)([38]).

وأخيرا

 - قاسى هؤلاء المبدعون صنوف العذاب والحرمان، بقدر ما عانى المواطن الكركوكي من نار السياسات المختلفة، لاجل ان تظل هذه البقعة الفسيفسائية من ارض العراق مرآة للتآخي الابداعي الذي يبثه التنوع العرقي والقومي والاثني للعراق...

 - الدعوة إلى التعايش بين المكونات الاثنية المختلفة في كركوك و الابتعاد عن اثارة الكراهية والحقد والعنصرية بين اناس جمعتهم الجغرافيا الواحدة والقيم السماوية والانسانية والاعراف الاجتماعية قبل ان تتسلل الافكار السياسية إلى صفوفهم وتحاول ان تنال من جمالية التنوع الثقافي والاثني واللغوي للمجتمع الكركوكي.

 - ان حل مسألة كركوك يكمن في تركها لاهلها الاصلين، والعودة إلى حدودها وحالتها الراهنة، وليس بالتجاوز والاستعلاء أو اللف على بنوده، واستغلال ضعف الحكومة المركزية واحراجها في ظرف اشد ما تكون إلى المساعدة، وذلك بالمبالغة في عدد الاكراد المرحلين والمهجرين، وهم على أي حال معروفون من قبل اهل كركوك الاصلين، وقد عاد اكثرهم واستلموا املاكهم واراضيهم حال سقوط الطاغية.

 - ان كركوك تمثل الموزائيك العراقي البديع بالوانه الجميلة، من عرب واكراد وتركمان، وكلدوآشوريين وآرمن عاشوا لقرون طويلة في اخوة ومحبة لم تفرقهم فارقة إلا عند احتدام الصراع العربي الكردي بشأن تعريب وتكريد كركوك طمعا في ذهبها الاسود وليس حبا في سواد عيونها، وما على الاحرار من العراقيين والقائمين على امرهم إلا دعم مؤسسات المجتمع المدني في هذه المدينة ومنع الهيمنة الحزبية من ارهاب الناس وافساح المجال للمواطنين لممارسة حقوقهم وواجباتهم بحرية وامان.

 - ولن يتم هذا باثارة النعرات القومية أو بطرد العرب من المدينة واحلال اكراد مكانهم لا علاقة لهم بكركوك مطلقا، فاذا كان صدام قد اخطأ بحق العرب، فان العرب في كركوك ما هم إلا ضحية هذا الخطأ. فلا نريد اليوم ضحايا جدداً من الكرد يحلون على كركوك مثلما العرب سابقا.

 - ولابد لكركوك ان تعيد مجدها التليد ولكن بلباس مدني وحضاري جديد سداه المحبة ولحمته التعاون، فكركوك لها كل المقومات ان تكون محافظة فدرالية لوحدها ترتبط مباشرة بالمركز، تعود مواردها النفطية لجميع العراقيين ويستحق ان يعيش ابناؤها باطيافهم المتنوعة برخاء وهناء بعيدا عن التعصب والإرهاب الذي يسعى إلى تخريب العراق.

المصادر والهوامش

 [1] أصل اسم كركوك، بقلم العلامة الراحل توفيق وهبي، جريدة الاتحاد العدد 344 الجمعة 12-11-1999 السنة الثامنة.

[2] تأليف جي. ب. اسمونس استاذ الدراسات الإيرانية في جامعة كوبنهاكن، نقله إلى العربية وعلق جرجيس فتح الله المحامي.

[3] رؤوف محمد الانصاري، كركوك العراقية حاضنة قوميات ذات حضارات وثقافات متعددة، جريدة الحياة، العدد د13356، السبت تشرين الأول (اكتوبر) 1999.

[4] كريم زند، كركوك في ذاكرة التاريخ، مجلة الثقافة الجديدة العدد 245.

[5] عوني الداوودي، كركوك المدينة الضاحكة بالنار والنور، مقال منشور على موقع: صوت العراق، في 6-6-2001.

[6] عباس العزاوي، تاريخ العراق بين احتلالين، الجزء الخامس ص104.

[7] د. اسماعيل عيسى البياتي، الوهم الكردي ي كركوك، موسوعة تركمان العراق، 2007م.

[8] عوني الداوودي، المصدر السابق.

[9] جان بوتيرو، بلاد الرافدين: الكتابة العقل الآلهة، ترجمة البير ابونا، مراجعة الدكتور وليد الجادر، بغداد، 1990م، ص89.

[10] Gwilhilm grunddzurge and kurtur der Hurriter, Dramstadt 1982, p10.

[11] التاريخ الغياثي، دراسة وتحقيق طارق نافع الحمداني، بغداد 1975، ص90.

[12] سيامند ابراهيم، الثوابت والحقائق التاريخية الدامغة لكردستانية كركوك (401) مقال منشور على موقع (بوك ميديا).

[13] عوني الداوودي، مصدر سابق.

[14] سليم حيدر الموسوي، حقيقة اصل كركوك، موقع : كتابات بتاريخ 14 ايلول 2007م.

[15] د. صبحي ناظم توفيق، كركوك والمناطق المختلف عليها، مقال منشور على موقع : (كتابات) بتاريخ 18كانون الثاني – 2007م.

[16] د. محمد سعيد كتانة، كركوك مدينة الاخوة والتسامح، مقال منشور في موقع: www.kirkukcity. 4t.com.

[17] د. محمد سعيد كتانة، مصدر سابق.

[18] د. محمد سعيد كتانة، مصدر سابق.

[19] عوني الداوودي، مصدر سابق.

[20] سليم حيدر الموسوي، مصدر سابق.

[21] د. اسماعيل عيسى البياتي، المصدر السابق.

[22] د. صبحي ناظم توفيق، مصدر سابق.

[23] د. محمد سعيد كتانة، مصدر سابق.

[24] راجع المصادر التالية: Longrigg S.H. Four Centuries of Modren Iraq Oxford, 1925 محمد امين زكي، تاريخ الدول والامارات الكوردية في العهد الإسلامي، ترجمة محمد علي عوني، القاهرة 1994م.

[25] الدكتور جبار قادر، التركيب الاثني لسكان كركوك خلال قرن 1850-1958، مقال منشور على موقع (كوردستان دايلي نيوز).

[26] علاء الدين سجادي، تاريخ الادب الكوردي، بغداد 1953، ص65-66.

[27] الدكتور جبار قادر، مصدر سابق.

[28] ميجرسون، رحلة متنكر إلى بلاد ما بين النهرين وكوردستان، نقله إلى العربية وحققه وقدم له وعلق عليه فؤاد جميل، الجزء الأول من اسطنبول إلى السليمانية، ط1، بغداد 1970م، ص158-163.

[29] مذكرة محمد امين زكي إلى الملك فيصل الأول حول الشأن الكوردي العراقي في 20 كانون الأول 1930، تقديم وترجمة الدكتور جبار قادر، الملف العراقي العدد 104 آب 2000 ص64-65.

[30] Loder Y.de V, The Truth about Mesopotamia, Palestine and Syria, London 1923, p2.

[31] الدكتور جبار قادر مصدر سابق.

[32] اياد محمود حسين، ستعود كركوك الاسيرة إلى عراقيتها الأصلية!!. شبكة البصرة الخميس 6رمضان 1427/ 28ايلول 2006م.

[33] عوني الداوودي، مصدر سابق.

[34] عوني الداوودي، مصدر سابق.

[35] نفس المصدر السابق.

[36] غفور صالح عبد الله، جريدة المنار الكويتية، العدد 65 الاثنين في 12ايلول 1999.

[37] المصدر السابق.

[38] عوني الداوودي، مصدر سابق.

الرئيسية
المقالات
الاخبار
الادب
الوثائق
حول المنبر
اتصل بنا
اعلانات
إصدارات

المنبر التركماني غير مسؤول عن الآراء المكتوبة ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر

Turkmen Tribune
contact@turkmentribune.com