تركمان العراق |  قضية كركوك  |  حقوق الانسان  |  كتابات مختارة عربي | Türkçe 
-
"القوريات" هوية تركمان العراق الثقافية... إشكالية الانتماء اللغوي بين اللغة العامية و الرسمية في الحاضرة كركوك

توفيق آلتونجي

" إذا نسينا لغتنا الأم

سينأى عنا الأجيال القادمة

وأحفادنا سيتخلون عن حبنا"

الشاعر عبد اللطيف بندر اوغلو

القوريات-  احد اهم مكونات الشخصية التركمانية وهوية ثقافية ورثها عبر الزمن واثر في تكوينه النفسي والعاطفي وزاد عليها بعد ان صقل وهذب وطعم بروح هذا الانسان المحب للحرية.

القوريات بحد ذاتها نادرة في حوض دول المحيط التركي ومحصورة بثقافة الشعب التركماني ولا يوجد نمط شعري يشابه و يضاهيها شكلا او مضمونا عند الشعوب الاخرى. رغم ان القوريات شفاهي على الاكثر ومجهول المؤلف فهي عصيرة الانتاج الابداعي لهذا الشعب من ناحية ومن ناحية اخرى لا يمكن ترجمتها الى اللغات الاخرى حتى لو كانت تلك اللغة التركية حيث تفقد ماهيتها ومع?ني كلماتها وخاصة تلك الكلمات التي تتكرر بمعاني مختلفة من بيت شعري الى اخر ناهيك عن مفهوم صوري رمزي نابع عن بيئة واطياف معاني اللغة حيث يفهم مغزاه الانسان التركماني فقط في العراق. تم تداول الموضوع "القوريات" في هذه المادة من منطلق محلي وحصرا على لهجة ابناء مدينة كركوك ومن منظور الهوية الوطنية والثقافية وليس التركيب اللغوي والنحوي للنص حيث اعتمدت لهجة المدينة كلغة ادبية وثقافية لتوركمان العراق. وهذا لا يعني بالطبع ان التوركمان خاج المدينة مستثنون من طروحات مادة البحث. توركمان العراق مجموعة عرقية تعود اصولها ?لى قبائل الاوغوز القادمة من اواسط اسيا والمعروف عنهم الشجاعة والقيادة العسكرية وحبهم الشديد للادب والثقافة والتزامهم بالأعراف والعادات وولههم بالشعر الشعبي ورباعياتهم المعروفة تحت تسمية "قوريات" او في بعض الادبيات " خوريات". اختلف الباحثون على أصول الكلمة ومنهم من يربطها بإحدى قرى المدينة المسماة "قورية" والتي تحولت لاحقا الى حي وسط المدينة عرف بأسواقها التجارية. الجدير بالذكر كذلك ان تلك النصوص التراثية غالبا لا نجد لها مؤلفين معروفين بل كتابهم مجهولون تواردت تلك النصوص كجناس سهل الإلقاء من جيل الى اخر با?توارد شفاهيا.

التوركمان شعب شديد التدين طوروا الشعر الصوفي للتعبد والتقرب الى الله عز وجل وقدموا دوما الأناشيد الدينية البديعة في محبة ومديح رسول الله وآل البيت صلوات الله عليهم وسلم. النصوص الشعرية والتواشيح التي تداولها قراء ومرددي وخطباء منابر مجالس العزاء في عاشورا او مجالس العزاء بصورة عامة حيث نوع من الترديد للشعر البسيط الذي يدخل الحزن والأسى روح الإنسان يسمى ب "سزلامالار-ئاغت" . وهم  أي التوركمان الاكثر ارتباطا بالأعراف والتقاليد والعادات و الأقرب لغويا واثنيا الى الاذريين منهم الى اتراك تركيا.

البدايات والنهايات:

مع رحيل احد آخر العمالقة و أوائل رواد الأغنية التراثية التركمانية المعروفة بـ "القوريات" في العراق، شيخ المطربين المرحوم عبد الواحد احمد كوزه جي اوغلو، يكون قد أسدل الستار على توجه تراثي أصيل عند تركمان العراق نحو تكوين هوية ثقافية فنية وموسيقية مستقلة.

نرى ان الموروث الثقافي التركماني الأصيل اعتمد تاريخيا على نصوص "القوريات ويكتب احيانا خوريات" وهي نصوص باللغة التركمانية ولكن بلهجة ابناء مدينة كركوك وتعتمد على رباعيات الشعر  التركماني التقليدي، التراثي والشفاهي. ان هذا النوع من الادب منحصر بتركمان العراق?حصرا ولا يوجد له أي مثيل بين الشعوب ذو الاصول التركية وبذلك نرى ان ذلك يمثل تمايزا واضحا في تكوين الهوية الثقافية لهذا الشعب المسالم.

نرى كذلك ان القوريات مضمونا كانت بعيدة عن الحملات السياسية المنظمة والتي اتبعتها القوى القومية الحاكمة في تركيا الكمالية في فرض اللغة التركية الموحدة.  حيث قاومت العديد من فروع اللغة التركية من اجل البقاء والحفاظ على اصولها من الفناء داخل جمهورية تركيا نفسها وذلك عن طريق بقاء وديمومة النصوص الشعرية في الشعر و الغناء الشعبي. تلك السياسات التي بدأت تتبلور مع  نهايات الحرب الع?لمية الأولى والمتمثلة في فرض اللغة التركية الرسمية على جميع مكونات النسيج السكاني في تركيا وتعداها على نشر تلك الافكار في حوض مجموعة الشعوب ذو الأصول التركية لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا. ان اللغة التركمانية بحاجة الى حماية وعناية لتطويرها كموروث ثقافي انساني وعدم طمس الهوية اللغوية التركمانية الاصيلة وتمييع أركانها الأساسية خاصة تلك المرتبطة باللغة التركمانية المتداولة ومنذ قرون في مدينة كركوك وضواحيها وما تسمى ب" لهجة كركوك" التي تطورت لاحقا الى لغة ثقافية مطعمة برحيق عادات وتقاليد واعراف التوركمان وبعصا?ة النتاج الابداعي الادبي والموروث الثقافي والاجتماعي لهذا الشعب. لا ريب ان مسار التطبيق العملي لتلك السياسات الثقافية ذو التوجهات التركية الصرفة ستؤدي حتما الى زوال حس الانتماء الى التوركمان كشعب بعد ان تكون اللغة التركية الرسمية قد أدت دورها في مسخ وتطهير "اللغة الام" التي تعتبرها الأوساط الثقافية الرسمية التركية مجرد لهجة محلية. هذا التوجه السياسي ادى كذلك الى استخدام كلمة "الاتراك" للدلالة على التوركمان في الكتابة اللاتينية وكما اسلفت بانه لا يوجد هناك اعتراف تركي بكلمة التوركمان بل يقابلها كلمة واحدة م?لقة الا وهي "الاتراك" ومن ناحية أخرى يمكن استخدام اللغة التركية الموحدة بوعي باعتبارها كأي لغة اجنبية اخرى  وبمعناه الانساني وربما سيساعد ايجابيا في رفد الحركة الادبية والعلمية لدى التوركمان لسهولة تعلمها وبذلك يسهل العملية التطورية للمجتمع برفدها باخر التطورات العالمية العلمية والادبية بجانب الانتاج الابداعي للشعوب الاخرى و باللغات العالمية الاخرى كما هي عليها الانكليزية او الفرنسية مع الاحتفاظ بلغة الأجداد وتطويرها والعناية بها وتهذيبها مع علمنا بوجود مكتبة عامرة من الكتب باللغة التركية قد تساعد في دفع م?ار الحركة العلمية والادبية عند التركمان ولكن كما اسلفت ولكن "للسيف حدان". 

الصراع بين اللغة المحلية والرسمية "الفصحى":

ان هناك طرحين ذوي مسارين متباينين ومتخاصمين سايرا العملية التطورية التاريخية في المنطقة منذ أواخر سنوات الحكم العثماني حيث بدا نشوء التيارات القومية واستمرتا بعد انهيارها وتفتت الإمبراطورية ونشوء الدول الوطنية في المنطقة. تلكما الاتجاهين الأساسيين لا يزالان مستمرين و لحد يومنا هذا في عموم المنطقة ولكل منهما مناصرون ومؤيدون. نرى كذلك الارتباط التاريخي للمكان والزمان وحتى الطبقة الاجتماعية والانتماء العقائدي لدن مؤيدوا الاتجاهين. هذا الصراع ليس محصورا باللغة التركية فهو صراع وإشكالية عالمية انتهى عند معظم ال?مم بفوز مدعي اللغة الرسمية الموحدة خاصة عند وجود كيان سلطوي حاكم يقف خلف تلك التجربة والمشروع الحضاري ويناصرها كما هي عليها في تجارب الشعوب الأوربية كالألمان والفرنسيين مثلا بينما لا يزال ذلك الصراع مستمرا بين اللغة الإنكليزية البريطانية والأمريكية. هذا ونرى نفس المسعى عند مؤيدو اللغة العربية الفصحى وهؤلاء الذين لا يزالون يتغنون باللهجات المحلية المختلفة و المحكية في الأقطار العربية. هذا التوجه الأخير مبعث قلق للذين يريدون الحفاظ على الهوية الثقافية المحلية البعيدة عن هيمنة القوي. يبقى ان نعلم ان اللغة الم?تخدمة يوميا وكما تسمى ب العامية تبقى بعيدة عن اللغة الفصحى "الاستاندر" ان كان في الاقطار العربية او في دول العالم الاخرى.

آصليم صورارسين كركوكلويوم بن

آغير ده رتلره ﭽـوق يوكلويوم بن

زمان زمانى  ديم ديك دورموشوم

هر حقا بوينو بوكولويوم بن

آصليم صورارسين بن عراقلييم

أدب آخلاقا ﭽـوق مراقلييم

بالعربية:

"ان تسأل عني فانا من كركوك

محمل بالهموم الثقيلة

لم أحني ظهري ومنذ الأزل

اسجد أمام الحق

ان تسال عني فانا عراقي

ابتغي الأدب والأخلاق"

ان العراق بتكوينه ألتعددي الثقافي البديع أنتج لهجات محلية بديعة في معظم اللغ?ت المحكية (الكوردية العربية والتركمانية وربما السريانية كذلك) تنتشر اليوم من الشمال الى الجنوب. اللغة العربية الفصحى رغم كونها اللغة الرسمية في البلاد حيث حاول المد القومي العربي فرضها على الناس وفشل المشروع في مسعاه ذلك اذ بقت اللهجات المحلية والتراث الثقافي الأدبي المكتوب بتلك اللهجات خاصة الشعر والشعر الغنائي والديني الشعبي محافظا على حيويتهما دوما وفي كافة الأقطار العربية. بالنسبة للغة الكوردية ولهجاتها الأساسية ولغياب الكيان والإرادة السياسية بقت متشتتة حيث نرى اليوم جهود قيمة ومخلصة واستعدادا لدى حكو?ة اقليم كوردستان لإيجاد لغة موحدة للكورد يتفاهم الكل بها ويوحد الجهود المستقبلية كقاسم مشترك في تطوير المجتمع المفتوح وإيجاد السبل الحقيقية لعملية التواصل الحضاري بين مكونات المجتمع الكوردستاني.

يجب ان لا ننسى بان جل الصحف الكوردية التي صدرت مع تأسيس الدولة العراقية 1922 كانت حريصة على احتضان اللغة التركمانية بين صفحاتها وهذا دليل اخر على مبدا التسامح الذي كان يسود بين مكونات المجتمع الكوردستاني قبل هجمة الأفكار القومية السلبية على البلاد والعباد وعلى مدى أهمية الحوار الحضاري السلمي بين الشعوب ذوات الثقاف?ت المتباينة كما هي عليها مجتمع كركوك وتنعكس كذلك على طريقة أداء الفنان الشعبي الغنائي الكركوكي الذي بقى حنجرته يصدع بالمقامات بالتركمانية والكوردية والعربية اذكر حصرا بعض النماذج من الصحف الكوردية التي نشرت بالتركمانية كذلك:

بانك كورد ، بغداد، 1913. بانك كردستان، السليمانية، 1922. دياري كوردستان، بغداد،1925. روز كوردستان، السليمانية،1922. وصحف اخرى نشرت للعديد من أدباء التركمان.

الإمبراطوري السلطوي نهج دوما منهج القتل والعنف والسيطرة على الشعوب فنرى مثلا الإيطالي ،اليوناني، الاسباني ،الفارسي ، اليوناني والتركي حامل الفكر القومي الفاشي والألماني النازي والعروبي السلبي يمجد أفعال الأجداد الكرام في القتل والسلب والمجازر التي ارتكبوها بحق البشرية وتدميرهم للديار ان كان الجار القريب او البعيد.  ولكل قوم أبطاله القوميون يرى فيه الطرف الاخر عدوا لدودا وقاتلا بينما يرفع النصب والتماثيل له في موطنه وهلم جر . اعتمد شعارات الفكر القومي على العنف الى درجة رسموا صور الحيوانات المتوحشة والجارحة?على راياتهم من نسور وصقور وفهود واسود وذئاب.

الى متى يبقى الناس يمجدون الطغاة والجلادين والقتلة باسم القومية والوطنية لماذا لا نمجد شعراءنا وأدباءنا وعلماءنا؟

راجع كذلك كركوك نامه من منشورات فيشون ميديا السويد ومن مؤلفات الكاتب.

* في حوار اجرتها السيدة انجي طارق  ذكر المرحوم عبد الواحد كوزه جي القوريات التالية:

" داغ دامى قنشاردى داغه دامى كركوكه ادام كالسن كالمسه حبسى داغ ادامى كركوك مخمور كركوك تاريخته مشهور كركوك باغنىييدلار يري باغوانى مغدور كركوك ويرن كركوك آلتى نفط ويرن كركوك دونيايه دوزه ن ويردو س?ن قالدو ويرن كركوك اويان كركوك يرامى أويان كركوك كون جختى آل اوياندى سه نده بير اويان كركوك كركوكم ير الدى كوز كبي قرالدى هه ركه له ن حكم ايدري بيلمرغ هه رالدي كركوكليه م هه ريدده ن سيودم اونو ايمانن خاصه دان صو ايجانى باشم قاخماز دومانان".

* يؤرخ الأستاذ زاهد ألبياتي ولادة الأدب الشعبي التركماني المعروف  القوريات بعام 1848 ميلادية ويذكر بان بداية توثيقه تم على يد الشاعر سيد عرفي .

مكن رؤية الاتجاهين التالين في السياسة الثقافية اللغوية عند تركمان العراق:

1. الحفاظ على الهوية اللغوية للشعوب التركية المختلفة بالاحتفاظ على لهجاتها المتداولة اليوم وتطويرها. هذا الاتجاه بقي على حيويته في الثقافة الشعبية ألشفاهي وخاصة الشعر الشعبي"الرباعيات" واللغة المتداولة يوميا وكما يسميه البعض باللغة العامية. نرى العديد من الكتاب والفنانين والمثقفين حتى بداية الخمسينات كانوا ينحون هذا المنحى النابع من روح الشارع وهموم الإنسان العادي. انه كذلك نتيجة تراكمية للانتاج الإبداعي الإنساني الفكري وموروث ثقافي ?صيل.

2.نشر اللغة التركية الموحدة مع اتخاذ اللهجة الاستانبولية كأساس مع نشر مقولة "اللغة الثقافية او الأدبية" لمواجهة أي مقاومة من الطرف الآخر. يقود بعض المثقفين المستتركين على الطريقة الاستانبولية واخرون ممن درسوا في جامعات تركيا هذا الخط الذي يعتبر سياسيا اكثر منها توجها شعبيا ولا ريب ان هناك العديد من القوى السياسية التركمانية يسعون بهذا المسعى في مجاراتهم للخط القومي الرسمي في تركيا وما يسمى بالاتاتوركية. هؤلاء ممن يؤمنون بهذا الخط الثقافي والسياسي سرعان ما يعودون الى بيئتهم وعائلتهم ليتحدثوا بالتركماني? كي يتفاهموا معهم.

اللغة التركمانية، إحدى اللغات ضمن مجموعة لغات الشعوب التركية تنتمي الى عائلة مجموعة اللغات الآسيوية المنغولية لها خصائصها المستقلة ومفرداتها وقواعدها ونحوها المستقلين مع وجود تركيب خاص لمفهوم المفردات الصورية والأمثال الشعبية وعلم الأصوات تخالف تماما مع اللغة التركية الرسمية وقد يعاني التركمان من هذا الاختلاف لدى نطقهم المفردات التركية حينما يزورون تركيا وهذا ينطبق طبعا على شعوب آسيا الأخرى التي تدخل ضمن المجموعة ذات الأصول العرقية التركية. بينما انقسم المثقفون الى فريقين ، فريق يؤيد وي?تهد من اجل استقلالية اللغة التركمانية بينما يريد الفريق الآخر انمحاء الثقافة الشعبية او على الاقل التقليل من أهميتها ووضعها على الرفوف والتوجه الى التركية كلغة موحدة. بينما بقى المثقف يعاني من هذه الازدواجية توجه الشاعر الشعبي والغنائي الى تطوير اللغة المحلية باغناء اللغة بإبداعات أدبية بديعة يتداولها العامة اليوم في رباعيات تتحول غالبا الى اغان شعبية يرددها الناس بحب ووفاء الى أصالة لغتهم الام و التي تحولت مع مرور الزمن الى لغة مثقفين ولغة أدب وشعر. لا ريب ان القوريات انصهر في تكوين الشخصية التركمانية الى?درجة نرى معظم التركمان يجيدون حفظ القوريات وتداولها يوميا بل حتى قرضها. بينما يبقى مؤيدو الاتجاه الاخر يعانون من عدم فهم العامة لنصوصهم الإبداعية. هنا تجدر الإشارة الى الدور الذي لعبه وتلعبه لحد يومنا هذا المجموعات السياسية التركمانية والتي اعتمدت اللغة التركية الموحدة كأساس ومن منطلق حزبي ضيق في عملية مسايرة للخط القومي التركي الرسمي. وقد نجحوا وبشكل ملحوظ في مسعاهم في وسائط الإعلام ونشر اللغة الموحدة عن طريق تدريسها في المدارس وحسب علمنا ببواطن الأمور وما حل بتلك اللهجات المختلفة في تركيا اليوم فان الهوة?بين اللغة المتداولة في البيت والرسمية ستكون كبيرة في المستقبل الى درجة ان الجيل القديم سيعاني من فهم المفردات التي يتحدث بها الجيل الجديد. لكن المثقف الواعي ربما سيكون على قدر المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقه اليوم ويختار الطريق الصحيح. حيث ان لهجات اللغة التركمانية متعددة كتعدد انتماءاتهم الاجتماعية والجغرافية القبلية. ولا توجد وثائق تؤرخ اللغة التي كان أوائل التركمان يتحدثون بها عندما قدموا الى العراق في القرن الخامس أو الرابع للهجرة ضمن جحافل الجيش الفاتح للعراق والقادم من خراسان ايران حيث تعاقب م?يء القبائل التركمانية الغازية الى المنطقة كالمغول والسلاجقة والصفويين والقاجار والاتراك العثمانيون لاحقا.

غياب الرواد:

يعتبر الفنان المرحوم عبد الواحد احمد كوزه جي اوغلو (1925- 2007) بحق رائدا وشيخا للأغنية التركمانية التراثية، القوريات، التي تعتمد على الشعر الشعبي ولم استمع اليه بلغة اخرى بل حتى عند غناءه بالتركية حاول إضفاء الطابع التركماني على النص في لفته بديعة لتاكيد الهوية التركمانية ولعل هناك من يدعي العكس فهو برأي قدم الأغنية التراثية في جميع مراحل حياته الفنية في اسلوب وخصوصية متميزة ذلك المشوار الذي بدائه وهو في السابعة من عمره في كتاتيب "محله مصلى" احد احياء كركوك التراثية والتي يسكنها التركمان جنبا الى جنب مع ا?كورد حيث يسود مبدا التسامح والحوار الحضاري بين أبناء الامم الذين ينتمون الى الثقافات المتباينة. هكذا وببساطة الانسان التركماني بدا حياته الدراسية في مساجد وجوامع وتكيات مدينة العذابات كركوك حيث كان بالإضافة الى التعليم الديني وتلاوة القران وحفظها يتلو الأناشيد الدينية والموشحات التراثية باللغة التركمانية حيث القراءة الكركوكية المعروفة. وتلك الأناشيد الدينية في مدح الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ربما جاءت من تركيا نفسها اثر انتهاء الحكم السلجوقي في "قونيا" التي لا يزال ابنائها يمارسون طقوس العبادة على نفس ا?طريقة القديمة ونرى امثلة قريبة في مدن قيصري وسيواس واق سراي وهي طريقة الدراويش المولويين في الإنشاد الديني الصوفي. تدرب الفنان المرحوم على يد احد كبار الرواد في المقام الا وهو رشه كوله رضا (الاسم مركب من الكوردية"رشه" والتركمانية "كوله" والعربية "رضا") وتلك هي اللغات التي كان يغني بها معظم مطربي القوريات.

اشتهر باداءه أطوار القوريات مجدد في طرحه لغناء الشعر الغنائي التركماني في رباعيات باتت تلاعب وجدان المستمع لتتحول الى وله لهذا النوع من الغناء حيث قراءته وأسلوبه الخاص في أداء مقام الرست والحجاز والسي كاه?تاركا بذلك اكثر من 500 اثرا موسيقيا مسجلا.

مع بدا البث في الإذاعة العراقية شارك في إيصال صوت التركمان الى الشعب العراقي ضمن برامج فترة الإذاعة الكوردية وكان قد حمل عبر الأثير صوت التركمان ولغتهم عالميا ومحليا.

82 عاما من الابداع قدم فيها الفقيد التركمان بوجهه الناصع الأصيل الى العالم اجمع.الف المرحوم كتابا واحدا عن تجربته الذاتية الفنية وسيرت حياته الحافلة" عبد الواحد كوزه جي اوغلو خوريات و بسته لري عام "1960. وبذلك قدم المرحوم للشعب التركماني هوية ثقافية تعتز بها ابناء هذا الشعب وسيبقى خالدا خلود روح ا?انسان الكركوكي المتسامح.

الهوة بين المنتمين الى الاتجاهين:

أقول ان غياب شيخ المطربين عبد الواحد خسارة كبيرة للمثقفين التركمان الذين يؤدون الاتجاه الاول بينما سيكون مؤثرا ومساعدا على تسهيل تمرير عملية فرض اللغة الرسمية التركية على توركمان العراق ومسخ هويتهم اللغوية الثقافية والاجتماعية_ التاريخية واستبدالها لغتهم الأصلية بما يسمى اليوم "اللغة الثقافية او الادبية " التي وكما أسلفت والتي تعتمد في الأساس كليا على قواعد ونحو اللهجة التركية الاستانبولية الدارجة عند أتراك تركيا اليوم (اللهجة بحد ذاتها خليط صوتي بين اللفظ التركي العثماني للكلمات واللفظ الرومي لنفس الكلمة?اهل البلاد الحقيقيين من البيزنطيين قبل الفتح العثماني للقسطنطينية في فجر يوم الثلاثاء الموافق 20 من جمادى الأولى 857 هجرية والمصادف 29 من مايو- آيار من عام 1453 ميلادية عن طريق جيوش السلطان محمد الفاتح ) أي اللغة الرسمية للبلاد ويختلف كتابه حيث يستخدم الأبجدية العربية في العراق. وهذا توجه عام في توحيد اللغة التركية (الجدير بالذكر ان هذا التوجه نجح ضمن الجمهورية التركية الحديثة اثر الانقلاب الثقافي الذي قاده مؤسس الدولة التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك وبذلك بات العديد من اللهجات المحلية عرضة للزوال والاض?حلال لعدم وجود النص المكتوب بتلك اللغات في حين بقى الناس ملتزمين في حديثهم اليومي باستخدام لهجاتهم الخاص بهم. كما ادى ذلك كذلك الى غياب العديد من الكتب التراثية المكتوبة بالأبجدية العربية اثر إعلان استقدام الأبجدية ألاتينية في الكتابة التركية الحديثة) تقودها الحركات السياسية القومية المتواجدة في العديد من دول المنطقة التي برزت مع انهيار جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق بالإضافة الى وجود هذا المسعى نسبيا بين الاذريين في ايران حيث يعتمد ولحد اليوم مثقفي الاذريين على اللغة الاذرية الام في كتاباتهم وحديثهم الي?مي ولم يتأثروا كثيرا بالحملات القومية التركية الا ان عددا ليس بالقليل في جمهورية أذربيجان يسعون الى بث ونشر اللغة التركية كلغة رسمية للبلاد وهناك كذلك مسعى مشابه عن الاذريين في الشتات يؤيدون هذا الاتجاه القومي. وكنت قد التقيت قبل عقد من الزمان في مدينة يوتابورك على الساحل الغربي من السويد ذلك الميناء الجميل التي تحتضن اكبر مجموعة من المنفيين وقد تكاد أن تكون العديد من الأحياء المدينة معظم ساكنيها من الأجانب الوافدين الى السويد وقد تكون المجموعة العراقية أكبر تلك المجموعات بجميع قومياتها واعراقها.

اقول كنت ?د التقيت الفنان المطرب الاذري "يعقوب ظروفجي" الشهير الذي ورث جل التراث الموسيقي الاذري من أستاذه الفنان الكبير "رشيد بهبودوف" والمطربة الكبيرة "شوكت". الفنان يعقوب من مواليد المدينة التركمانية "تبريز" في أيران ورغم انه درس العلوم الاقتصادية ولكنه توجه لاحقا الى دراسة الموسيقى في أيران وامريكا وقد يكون من القلائل الذين شاركوا فعليا في احتفالات تتويج تأسيس الجمهورية الاذرية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وقد حضر آنذاك ما يقارب المليون متفرج لسماع الأغنية المشهوره "الفراق" والتي غنتها العديد من المطربين الاذريين?

وطني , عشي ومسكني

امي التي ولدتني , أذربايجاني

وقد اكد لي التزامه المبدئي بالغناء بالاذرية وتقديم الغناء الأصيل بهذه اللغة البديعة.

الثقافة الشعبية وتمسكها بالجذور:

لا بد من التأكيد بان الغناء الشعبي الكركوكي الأصيل اعتمد على لهجة مدينة كركوك في الأداء وكان المطرب الكركوكي رغم اختلاف انتماءه القومي يغني بتلك اللهجة دوما. وهذا يعني وببساطة ان الأغنية التراثية الكركوكية تم ادائها بالتركمانية و بجميع أطوارها، ومعظم الأغاني التركمانية من أنغام القوريات ( نمط شعري رباعي يعتمد على الجناس يغنى بواحد وعشرين مقاماً غنائياً) والبشيري والمخالف، من قبل مطربين ينتمون الى ابناء جميع قوميات القاطنة في مدينة كركوك وأريافها وليس بغريب ان يدعي كل قومية انتماء المطرب الفلاني الى تلك ا?قومية وهذا ديدن أهل كركوك حيث سادت اللغة الثقافية التركمانية في تلك البيئة التعددية قرون طويلة فكان الناس ولا يزالون يتحدثون بها رغم اختلاف انتماءاتهم القومية فترى الكركوكي الكوردي، الارمني ،السرياني والعربي يتحدثون وبطلاقة التركمانية هذا بالإضافة الى ان الأكثرية من ابناء المدينة كانوا يتداولون التركمانية كلغة ثقافية نابع عن البيئة أي الواقع الثقافي وليس الانتماء القومي وعند بعض العوائل كان انتماءً طبقيا كذلك حيث كانوا يتحدثون بتلك اللهجة الى مشارف نهايات عام 1958 حيث بدأً زحف الفكر القومي السلبي على المد?نة وعلى أبنائها وبات الناس مضطرين الى إعلان الولاء في الانتماء الى إحدى القوميات ورفع رايتها خاصة بعد إعلان بيان الحادي عشر من اذار من عام 1970 واعتبار اللغة الكوردية والتركمانية والسريانية كلغات رسمية بجانب العربية في المدينة وكنتيجة لهذا التوجه الجديد فتحت المدارس والمؤسسات الثقافية والفنية والإعلامية والتعليمية لتطوير تلك اللغات وثقافاتها. لذا ليس من المستبعد ان نرى ان احد رواد الاغنية الكوردية الحديثة المرحوم "علي مردان" يغني بالتركمانية وكان المطرب عبد الوهاب ملا برغش حسين المعرف تحت لقب"هابه" ، وهو ?ذلك يعود اصوله العرقية الى الاكراد، مطربا شعبيا ومن الدرجة الاولى ترك ميراثا ثقافيا غنائيا باللغة التركمانية والكوردية. ويمكن ذكر بعض أسماء، مع الاعتذار للأسماء الأخرى التي لم تورد في هذه المقالة هؤلاء اللذين لا يمكن حصرهم في كتابة واحدة، من مرددي المقام من الرواد الأوائل ك " خالد شلتاغ والملا طه والملا صابر وأحمد زيدان ،عثمان تبله باش ، ، رشه كوله رضا ، وشكر حيارا ، الملا محمد حه مه بيره، طوبال كوله رضا، الحاج نعمان بن خليفة رضوان، صديق بنده غفور، محمد خليل ، الملا محمد حيارا، وشعراء (الجدير بالذكر ان م?ظم الشعراء التركمان كتبوا باللغة التركمانية وبلهجة كركوك حتى الخمسينات حين بدا عملية التحديث وتحبيذ الكتابة بالتركية الرسمية ولا يزال الرباعيات تكتب بالتركمانية وكذا بالنسبة للشعر الشفاهي المتداول بين العامة من الناس) كما في اشعار فضولي ، نسيمي ، هجري ده ده، طبيب اوغلى وفنانون اخرون كمحمد صادق، عثمان مظلوم، مصطفى كوك قايا ، عز الدين نعمت، سامي رفيق جلالي، محمد رؤوف ، ابراهيم رؤوف ، الهام ملا عبود ، هشام ، يشار عزالدين ، كريم عثمان، عبد رحمن عمر ، فخرالدين محمد، اكرم طوزلي، ساطع كوبرلي، سنان سعيد، عبد الر?من قزلاي، تحسين كركوكلي والفنان المطرب القدير فتح الله التون ساس واخرون كثيرون من التركمان خارج مدينة كركوك لم اذكر أسمائهم.

سيبقى الصراع مستمرا بين كافة الأطراف وكل سيقدم حججه بصحة توجهاته حول اللغة التركية الموحدة او لغة اهل كركوك ويبقى المستقبل كفيلا بالإجابة على صحة احد المنحيين. لكن المعلوم سلفا بانه لا يوجد الا القلة من الذين يستطيعون حل لغز الكتابات القديمة، تلك النصوص المكتوبة بما يسمى اليوم ب ”اللغة العثمانية القديمة- اوز تركجه" ، وتلك خسارة كبيرة للأدب والإبداع الثقافي الإنساني وربما سيكون تلك حالة الكتابات التركمانية في المستقبل. ومن ناحية اخرى وكما اسلفت يمكن الاستفادة من اللغة الموحدة في تطوير وتنمية قابليات الانسان?التركماني مع الحفاظ على الخصائص التقليدية للموروث الثقافي وتطويرها.

الرئيسية
المقالات
الاخبار
الادب
الوثائق
حول المنبر
اتصل بنا
اعلانات
إصدارات

المنبر التركماني غير مسؤول عن الآراء المكتوبة ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر

Turkmen Tribune
contact@turkmentribune.com