تركمان العراق |  قضية كركوك  |  حقوق الانسان  |  كتابات مختارة عربي | Türkçe 
-
الزمن الأصعب للمكونات الغير الكردية في الشمال العراقي
هل هي (المناطق المتنازع عليها) أم أنها (المناطق المتجاوز عليها)؟
٢١ حزيران ٢٠٠٩

مؤسسة سويتم

يعيش العراقيون ولسوء الحظ منذ سنوات معاناة الصدمات القوية التي تعرض لها، منها الدكتاتورية لعقود والحروب في الثمانينيات وبداية التسعينيات والحصار الاقتصادي في النصف الاول من التسعينات واخرها الاحتلال الامريكي في عام ۲٠٠۳ ومآسيه، لقد أنهكت هذه السنوات من الصراع الإنسان العراقي وبجميع أطيافه نفسيا وجسديا.

رغم كل هذه الكوارث التي حلت بالعراق، وبعد عقود من المأسي التي سببتها العقلية الديكتاتورية والنزعات الطائفية والعرقية والاحتلال، يواصل العراقيون في بناء وطنهم وتتعاطف معهم القوى العالمية والإقليمية ويشتركون في مساعدة العراق ويقدمون له المعونات المادية والمعنوية لبناء أسس الدولة العراقية الجديدة، وهم أكثر تصميما لبناء عراق ديمقراطي ونشر ثقافة حقوق الإنسان، فالدعم والاهتمام العالمي ومنها الغربي المكثف إلى العراق يجب أن يكون لنفس الأهداف والغايات، التي ستكون البداية في بناء الديمقراطية في الشرق الأوسط.

المشاكل التي تواجه العراقيون بعد الاحتلال كثيرة، وتعد الطائفية الدينية والعنصرية الاثنية من أهم هذه المشاكل، إذ كانت سببا في اختلال التوازن والاستقرار السياسي والأمني وبالتالي كانت لها دورا مؤثرا في الاستقرار الاقتصادي والذي اثر سلبا على جميع مجالات الحياة.

كانت الطائفية الدينية والنزعة الانتقامية تعتبران من الأسباب الأساسية في قتل العشرات من العراقيين يوميا وأحيانا المئات لسنوات خلت أثناء وبعد الاحتلال. في الوقت الذي كانت جهود القوى الوطنية والدولية منشغلة في إيقاف نزيف الدم وسط العراق، كانت تجري عمليات منظمة لانتهاكات حقوق الإنسان وبشكل منهجي في شمال العراق في المناطق التي تقع تحت سيطرة الأحزاب الكردية المدعومة من قبل المليشيات البيشمركة وأجهزتها الأمنية.

الأغلبية من المكونات العرقية والدينية يعيش في الشمال العراقي: الشبك، اليزيدية، الكلدواشورية، التركمان، الكرد والعرب. بغض النظر عن كثرة هذا المكون أو ذاك فان الجميع كانوا بمستوى اقتصادي متقارب وقد عان تلك المكونات جميعا من قسوة النظام السياسي على حد السواء. بعد عام ١٩٩١وبالاخص بعد الاحتلال، اختل التوازن بين هذه المكونات و الأطياف العراقية في المنطقة الشمالية .

عندما اقيمت المنطقة الآمنة أدت إلى ظهور فجوة كبيرة في الإمكانيات الاقتصادية والسياسية وحتى الثقافية بين المواطن الكردي من جهة والقوميات العراقية الأخرى من جهة ثانية، أدت إلى هيمنة الأحزاب الكردية العنصرية على الوضع العام في شمال العراق.

أهم العوامل التي أدت إلى اختلال توازن القوى بين المكونات العراقية في الشمال العراقي بعد عام ١٩٩١هي:

·         الإنتهاكات التي حصلت لهذه المجتمعات نتيجة تعرضها المستمر للاضطهاد منذ عقود وعدم قابلية التصدي للحكومة الدكتاتورية انذأك باستثناء القومية الكردية التي حصلت على دعم مادي ومعنوي من القوى الإقليمية والغربية مما سهل هيمنة الأخيرة على زمام الأمور في جميع مفاصل الحياة في المنطقة الشمالية.

·         تأسيس المنطقة الآمنة بهدف حماية الأكراد دون المكونات العراقية الأخرى وتسليم ادارتها للأحزاب الكردية القبلية ( المدعية للديمقراطية ) والمدعومة من قبل مليشيات وأجهزة أمنية حزبية أدت إلى تهميش القوميات الأخرى.

 

·         حصول الأحزاب الكردية العنصرية على نسبة كبيرة من الدخل القومي العراقي وانفرادهم في واردات البوابة الحدودية الشمالية.

أما السياسة العنصرية للأحزاب الكردية المبنية على العرق وتمجيد العرق الكردي وتحضير المناهج الدراسية على نفس الأسلوب أدت إلى نشوء جيل كردي قومي متعصب مزود بمعلومات تاريخية وجغرافية خاطئة، جعلت من هذا النشا مستعد للقتال ومحاربة اية جهة متى ما أحسوا بالتهديد لأهدافهم القومية. فبنيت المليشيات الكردية التي تعرف بالبيشمركة وجهاز الأمن (الاسايش) والمخابرات الكردية (باراستن) بنفس المفاهيم.

عندما دخل العراق إلى فترة الاحتلال كان الإنسان الكردي قد اكتسب الشعور بالغبن من أن وطن أبائهم قد احتل من قبل الآخرين و أصبحت سلطات الأحزاب الكردية والمواطن الكردي مقتنعا بكردية شمال العراق وبالأخص مدينة كركوك وان لهم الحق التاريخي في بناء وطنهم في هذه المناطق الشاسعة من الأراضي العراقية. علما بان معظم المصادر التاريخية والأكاديمية يقدم رايا اخر. (انظر إلى المراجع)

فأصبح الإنسان الكردي في حالة اندفاع نفسي هائل ورغبة جامحة لتأسيس دولة كردية بأي ثمن كان. وجاء دعم الاحتلال المطلق للأحزاب الكردية في ظل غياب سلطة الدولة والقانون كعامل مساعد لبدء تنفيذ هذه الطموحات الغير المبنية على الحقائق. وكان للدعم المادي والمعنوي الناتج من التعاطف الغربي مع المجتمع الكردي، على اعتبار تعرض الأخير للمصائب جراء القتال ضد الدولة التي يعيشون فيها، دورا كبيرا في تقوية هذا الاندفاع.

أن من ابرز مواصفات هذه المرحلة هي الطبيعة الخشنة وجهل الأحزاب الكردية وكوادرها المفتقرة للتجربة والمتسمة بالقبلية والتعصب والغير مؤهلة من حيث الكفاءة والثقافة التي كانت تحارب الدولة العراقية ولأجيال وسط الجبال العراقية الوعرة ولمدة عقود، قد سحبت كل هذه المواصفات معها إلى أن وصلت إلى ما سمى في التسعينات بالملاذ الآمن و الإقليم الكردي بعد الاحتلال.

وهكذا بدأ الزمن الأصعب بعد الاحتلال لملايين العراقيين من غير الأكراد في الشمال العراقي والذين يشكلون أكثرية بارزة. حيث سيطرت الأحزاب الكردية على معظم دوائر الدولة من الإدارة المدنية والأمنية والعسكرية وبإشراف من الاحتلال ومن ضمنها سيطرت الأحزاب والمليشيات والأجهزة الأمنية الكردية على أكثر من ٧٥٪ من محافظة الموصل (± ٣مليون نسمة)، ۲۰٪ من محافظة صلاح الدين (± ۱مليون نسمة) و٩٠٪ من محافظة كركوك (تأميم) (٨٣۰ ألف نسمة) وعلى حوالي ٥٠٪ من محافظة ديالى (۳۷.۱ مليون نسمة) في حين تقطن هذه المناطق عدة ملايين من العرب والتركمان والكلدواشوريين واليزيديون والشبك. أما الحجم التخميني للأكراد الأصليين في هذه المناطق الشاسعة فكان لا يتجاوز المليون.

هيمنت هذه القوى وبشكل ساحق على هذه الأراضي خارج المنطقة الكردية وأخذت بالتخطيط لضمها إلى الإدارة الكردية من خلال عمليات الضغط على الملايين من العراقيين لغير ألاكراد لتغيير قوميتهم والعمل على التغيير الديموغرافي والتطهير العرقي من قبل الإدارات الكردية الحزبية ومليشياتها.

الأيام الأولى من الاحتلال

في غياب مؤسسات الدولة بدأت عمليات السلب والنهب والحرق للدوائر الحكومية ومن بينها البنوك والجامعات والبلديات ودوائر الاذاعة والتلفزيون وحتى المستشفيات من قبل الميليشيات الكردية وكما قامت القوات الكردية بالاستيلاء على كافة العجلات الحكومية والحزبية والخاصة بالمواطنين وملاحقة العرب إلى القرى التابعة لهم واخذ ممتلكاتهم عنوة. وتم نقل أعداد هائلة من الآلات والعجلات والوثائق الحكومية إلى السليمانية، دهوك واربيل.

قامت الميليشيات الكردية مع أحزابها بالاستيلاء على معظم الأبنية الحكومية منها المدنية والعسكرية والحزبية، وخصوصا في كركوك، وتقاسموها فيما بينهم وحولوها إلى مقرات لهم أو إلى سكن للعوائل الكردية التي جلبت لتكريد المنطقة.

التغيير الديموغرافي

مؤسسات الدولة

كانت جميع مؤسسات الدولة العراقية قد هدمت والمواطن العراقي قد أنهك نفسيا واقتصاديا، مما سهَّل من دخول مليشيات الأحزاب الكردية والمهيأة تسليحيا وتنظيميا للسيطرة على هذه المناطق في المحافظات الأربعة وعلى جميع مؤسساتها الحكومية، وبإشراف قوات الاحتلال .استلم الحزبيين الكرديين وأفراد البيشمركة الذين لم يكن عندهم أدنى درجات التعليم قمة إدارات المدن و الاقضية والنواحي.

حيث أصبح منهم القائمقام للاقضية والمدراء للنواحي والرؤساء للبلديات. وبهذا أصبح معظم مدراء دوائر الدولة من القومية الكردية وسيطروا على مجالس المدن. وتم تعين عشرات الآلاف من الأكراد في دوائر الدولة في هذه المناطق الشاسعة من الشمال العراقي حيث ازداد عدد موظفي الدولة في بعض من المناطق إلى الضعف.

اعتمدت القومية الكردية كأساس للتعيينات بشكل مباشر إضافة إلى الانتماء الحزبي وبهذه الوسيلة أجبروا الكثيرين من القوميات الأخرى على العمل لأجندات الأحزاب الكردية والابتعاد عن أحزابهم. كما استولت الأحزاب الكردية على أعداد كبيرة من الوظائف في الدولة العراقية التي لا تتناسب مع حجمهم السكاني: من مجموعة ۱٦٥ وظيفة سيادية في الدولة العراقية كان الأكراد يشغلون ٦٥ وظيفة.

حكم الأحزاب الكردية بمليشياتهم المناطق الشمالية للعراق وفي ظل انعدام كامل لمؤسسات الدولة والانشغال الكلي للحكومة العراقية مع الاقتتال النازف في وسط البلاد ومحاولة وقف العنف. وفي خضم هذه الظروف التي انفردت بها الأحزاب الكردية تم إعادة بناء جميع مؤسسات الدولة من القوات العسكرية ودوائر الأمن وجهاز الشرطة واستغلتها هذه الأحزاب ومليشياتها في تكريد هذه المؤسسات. تضاعف موظفو الدوائر المدنية. بالإضافة إلى الإعداد الكبيرة من الميليشيات الكردية التي نشرت في هذه المحافظات يشكل الأكراد الأكثرية الساحقة في الفرقتين العسكريتين العراقيتين الموجودتين في الموصل. أما في كركوك فقد تم تأسيس الجهاز الأمني في كركوك من مئات الأكراد الذين جلبوا من السليمانية واربيل ودهوك مما جعل المحافظة وبشكل مطلق تحت سيطرة مليشيات الأحزاب الكردية وخاصة الأمنية منها. أصبح غالبية مدراء مراكز وأفراد الشرطة من الأحزاب الكردية في كركوك ويسيطرون على هذه الأجهزة في العديد من المدن الأخرى. استولت الأحزاب الكردية على جميع أسلحة الجيش العراقي المنحل في المناطق الشمالية والتي كانت تشكل حوالي أكثر من ربع قوة هذا السلاح والتي تبلغ مئات الآلاف من الأسلحة الخفيفة والثقيلة بما فيها أنواع عديدة من مقاومة الطائرات والهاوانات والآليات والدبابات ونقلوا معظمها إلى المحافظات الكردية.

عاملين مهمين أديا الى تغيير أعداد كبيرة من الكوادر المتخصصة بموظفين أكراد ضمن المناطق المسيطر عليها من قبل الأحزاب الكردية:

·         سياسة التكريد.

·         هروب عدد كبير من الكوادر الذين كانوا يشغلون المناصب الرئيسية في دوائر الدولة التي كانت قد بنيت على الأسس الحزبية حيث كانوا يمتلكون درجات حزبية عالية في تنظيمات حزب البعث.

الاحتياج الكبير إلى الكوادر الاختصاصية وافتقار الإدارة الكردية لها أدت إلى تعيين أغلبية الموظفين والمدراء الجدد من الأكراد الذين لا يملكون حتى الشهادة المتوسطة أحيانا. فأصبح سائق تاكسي قائد شرطة، وخريج معهد زراعة مدير دائرة متخصصة في مجال أخر مثل المواصلات، واشغل أفراد ميليشيات بيشمركة من الذين لم يحصلوا على أي تدريب نظامي أو تثقيف دراسي بمناصب مدراء دوائر دولة ومراكز شرطة وأصبح خريج ابتدائية ضابط جيش أو شرطة أو امن.

تم نشر مئات المقرات الحزبية الكردية المدعومة من قبل الميليشيات وأجهزة الأمن الكردية في المراكز والاقضية والنواحي في هذه المحافظات. وصرفت الأحزاب الكردية مبالغ كبيرة لتجنيد عدد كبير من المتعاونين من القوميات الأخرى.

نُظمت الانتخابات العراقية في هذه المناطق الشاسعة تحت هيمنة الأحزاب الكردية وميليشياتها وهم كانوا ولا يزالون لا يخفون إصرارهم بكردية هذه المناطق وامتلاكها بالقوة إذا ما تطلب الأمر. لقد كان عدد نفوس كركوك عند الاحتلال ( ٨۷۰۰۰۰ ) نسمة. اصبح عدد الناخبين فقط في المحافظة ( ٨٠٠٠٠٠ ) ناخب في انتخابات كانون الأول ۲۰۰٥.

تم استغلال فقر الكثير من المواطنين من القوميات الأخرى في الحصول على أصواتهم بدفع مبالغ رمزية لهم. كما دفعت مبالغ كبيرة إلى الكثيرين من الذين يشغلون مناصب مهمة للحصول على دعمهم لأجندات الأحزاب الكردية. وبعد قيامهم بكل أنواع التلاعب والغش فازوا في معظم المناطق مما زاد مساحة السيطرة على جميع مفاصل الإدارة والية اتخاذ القرارات في هذه المناطق. على سبيل المثال:

·         كان عدد أعضاء مجلس محافظة نينوى من الأحزاب الكردية ٣۱ من أصل ٤۱ عضو

·         في كركوك كان عدد أعضاء مجلس المحافظ من الأحزاب الكردية ٢٤ من أصل ٤۱ عضو

·         في اربيل قسمت أعضاء مجلس المحافظة وبشكل متساوي بين الحزبين الكرديين

·         جميع أعضاء مجلس المدينة في كفري من القومية الكردية

·         وفي خانقين بعد التخويف والترهيب والترغيب التحق ممثلي القوميات الأخرى في مجلس المدينة إلى الصف الكردي

 

النزوح الكردي

بدأت الأحزاب الكردية مع بداية الاحتلال بتشجيع مئات الآلاف من المواطنين الأكراد إلى الهجرة إلى المناطق الجديدة التي دخلتها البيشمركة بعد الاحتلال، أحيانا بدفع رواتب لهم. أما الذين يشغلون مناصب حزبية أو في ميليشيات البيشمركة فحصلوا على مبالغ لبناء بيوتهم التي بنيت على أراضي البلدية أوعلى أراضي تركمانية أو على أراضي باقي القوميات. التحق عشرات المئات من ألعوائل الكردية إلى الأشخاص الذين شغلوا المناصب الجديدة. ظهرت عشرات الأحياء السكنية الجديدة في مدن هذه المناطق الشاسعة. أما عدد الأكراد الذين أخرجهم نظام البعث من كركوك فكانت يتراوح عددهم بـ (مائه وعشرون الف)۱٢۰۰۰۰ من الأكراد والتركمان. وان القسم الأكبر من الأكراد الذين تم ترحيلهم من كركوك كانوا من مواليد اربيل أو السليمانية وليسوا من مواليد كركوك الحقيقيين.

قامت الإدارات المستكردة بتزوير البطاقات التموينية وتحويل سجلات النفوس للأكراد الوافدين إلى المناطق الجديدة، وخصوصا كركوك، وتم تزويد الوافدين بهويات الأحوال المدينة والجوازات. أما محاولة الأحزاب الكردية لنقل سجلات قضاء شيخان إلى دهوك فباءت بالفشل. تم تعيين الآلاف من الموظفين والمعلمين من محافظة السليمانية واربيل ودهوك لتدريس اللغة الكردية بدلا من اللغة العربية في كثير من المناطق الجديدة وتم تثبيت عناصر من البيشمركة للسيطرة على الطرق العامة وإنشاء نقاط سيطرة عليها بين العديد من المدن كأربيل، برطلة، شيخان، دهوك.

ترك عشرات الآلاف من ألعوائل العربية هذه المناطق الشاسعة مع دخول ميليشيات البيشمركة. فبعد هروب الكوادر البعثية من دوائر الدولة، تم طرد العرب الذين سكنوا المنطقة الشمالية من قبل قوات البيشمركة باعتبارهم جزء من سياسات التعريب وترك الكثيرون المنطقة لسبب العداء القومي مع وجود الظروف الغير أمنة. في كركوك وحدها تم إخلاء حوالي ۲٥ قرية بقوة السلاح، منها كانت موجودة قبل نظام البعث.

يعتبر اغتصاب الأراضي وخصوصا الحكومية منها من أهم مميزات الفترة التي استولت فيها الأحزاب الكردية على إدارة المنطقة الآمنة. و نتيجة لجهل الأحزاب الكردية لمفهوم الدولة وإدارة مؤسساتها، فقد سيطر الوافدون من المناطق الجبلية ودعم من الإدارة المستكردة على أراضي شاسعة للبلديات وكان نصيب مسؤلوا الميليشيات العديد من الكيلومترات المربعة. على سبيل المثال، استولت عائلة برزاني على أراضي مصيف صلاح الدين بأكملها. أما في كركوك فقد استولوا الأكراد الوافدون حتى على أراضي المواطنين. وبهذا أصبح عدد دعاوي الملكية في كركوك تتجاوز ٤٠٠٠٠ دعوى.

أوضاع حقوق الإنسان الأخرى

تميز الوضع العام في الشمال العراقي مند أول أيام الاحتلال وحتى قبل فترة قصيرة بالمواصفات التالية:

۱. فقدان قوة القانون والقوى المحافظة له

۲. سيطرة مطلقة للأحزاب والميليشيات الكردية التي تتميز بـ:

·         عقلية قبلية غير ديمقراطية

·         افتقاره للمهنية حيث تفتقر للتعليم والتدريب المهني

·         طبيعة عدوانية خشنة لبقائه في مناطق جبلية وفي حالة حرب دائم ولفترة عقود

۳. الدولة العراقية والعالم الغربي منهمكة بمعالجة الكوارث الناتجة عن الاقتتال وسط العراق

٤. القوميات العراقية الأخرى في المنطقة قد أنهكت نتيجة السياسات الدكتاتورية السابقة.

٥. غياب المنظمات العالمية لحقوق الإنسان وحتى الأمم المتحدة وانعدام المراقبة أو المتابعة كل ذلك أدى إلى عدم تسجيل وتوثيق أعداد كبيرة من انتهاكات حقوق الإنسان ولمدة سنوات.

تحت هذه الظروف ورغم أن المنطقة لم تواجه صراعاً سنياً شيعياً ولمدة أكثر من أربعة سنوات حدثت الآلاف من حالات الترهيب والتخويف، الاعتقال، التعذيب في السجون، الاختطاف، الاغتيال، فقدان الأشخاص و القتل من أفراد القوميات الغير الكردية وكثيرين من الذين يعارضون سياسات التكريد. مع حالة فقدان الأمن هاجر الآلاف من ألعوائل اليزيدية، الشبك، الأشوريين، التركمان وكذلك العرب إلى خارج تواجد الميليشيات والأمن الكردي. وبهذا تحققت الحالة التي كانت تتماشى مع أهداف الأحزاب الكردية وميليشياتها لبناء دولتهم القومية. يقدر اليوم عدد المخطوفين في كركوك ۲٣٨ شخصاً وهناك الكثير من المخطوفين الذين لم يتم إحصائهم.

حولت قوات الأمن (الاسايش) الكردية في هذه المحافظات مقرات حزب البعث إلى أماكن للاعتقال وانتشرت هذه المقرات بالمئات في الساحل الأيسر وفى سهل نينوى هدفها السيطرة الأمنية على المكونات العراقية الغير الكردية وترغيبها وترهيبها. ويقوم الاسايش بالتنسيق مع مقرات الأحزاب الكردية بجمع المعلومات عن المواطنين ومنع الشبك والمسيحيين من الدخول إلى مدينة دهوك ومطاردة العناصر اليزيدية التي ترفض هيمنة الأحزاب الكردية وأصبحت معانات المواطن الغير الكردي في محافظة نينوى لا توصف.

في محاولة الميليشيات الكردية للسيطرة على منطقة تلعفر التركمانيةـ التي وضعوها في خارطة ما مايسمى بكردستان العراق، تعرضت المدينة إلى هجومين مدمرين بجميع أنواع الأسلحة من المروحيات والدبابات واكتسحت من قبل عشرات الآلاف من جنود الاحتلال والبيشمركة في الحرس الوطني. واستمرت الهجمات والاعتقالات والاغتيالات والاختطافات لمدة ثلاثة سنوات تباعاً حيث تم تهجير عشرات الآلاف من أهل التلعفر الى المدن الأخرى.

سيطرت الميليشيات الكردية في اربيل على جميع ممتلكات الأحزاب والمنظمات التركمانية في عام ۲۰۰٥. من ضمنها أكثر من عشرة أبنية وجريدة ومطبعة وراديو وتلفزيون وحرموا التركمان الغير متعاطفين مع الأحزاب الكردية من العمل في دوائر الدولة. اجبر ساكنوا المناطق العائدة إلى الشبك واليزيدية والكلدواشورية والتركمانية على التعليم باللغة الكردية.

اُخليت العديد من القرى الأشورية والقي القبض واعتقل عشرات السياسيين اليزيديين واغتيل ناشطين شبك وقتل مئات من قيادي البعثيين واستولي على أراضي تركمانية.

أسست السلطات الكردية أحزاب ومنظمات للقوميات الأخرى من الذين باعوا ذممهم وتم شراء أصوات أبناء القوميات الأخرى في الانتخابات واستغلالهم في النشاطات السياسية لدعم حملاتهم في تحقيق أهدافهم، لاستعمالهم في محاربة المؤسسات الحقيقة.

تغيرت أسماء مدن شوارع وأبنية كثيرة من التركمانية أو العربية إلى الكردية فقد كتبت اللوحات باللغة الكردية في دوائر الدولة ولاقى المواطن غير الكردي صعوبات كثيرة وخصوصا في المستشفيات لعدم معرفته باللغة الكردية.

أدت سيطرة الأحزاب الكردية المتعصبة على الإدارات في هذه المناطق الشاسعة إلى تطور الإحياء الكردية وتأخر الإحياء الغير الكردية، فهناك فرق شاسع بين خدمة البلديات بين هذه الإحياء.

إن من اخطر الظواهر التي بدأت تظهر اليوم في الشمال العراقي هي الفرق الشاسع في الحياة المعيشية والاقتصادية بين الفرد الكردي من جهة وافراد القوميات الأخرى من الجهة الاخرى. وتعزى هذه الظاهرة إلى الأسباب التالية:

۱. تعيين مئات الآلاف من الأكراد في المناطق التي احتلها الأحزاب الكردية بعد الاحتلال:

أ‌. في دوائر الدولة، على سبيل المثال، تم تعيين أكثر من عشرة الآلاف موظف في كركوك ٩۰ ٪ هم من القومية الكردية

ب‌. في الجيش العراقي، على سبيل المثال، أكثر من ٨۰ ٪ من الفرقتين العسكريتين في الموصل هم من القومية الكردية

ت‌. جهاز الأمن والشرطة، على سبيل المثال، يكون الأكراد اليوم أكثر من ٩٠٪ من جهاز الأمن في كركوك

ث‌. زيادة عدد الميليشيات إلى الضعف، على سبيل المثال، تم تجنيد عشرات الآلاف من الميليشيات البيشمركة في عام ۲۰۰٤ - ۲۰۰٥

ج‌. التعيينات في جميع المناطق التي تسيطر عليها الأحزاب الكردية مبنية على الأسس الحزبية، على سبيل المثال، عدم تعيين المواطن الغير الموالي إلى الأحزاب الكردية أدى إلى حرمان أعداد كبيرة من التركمان من العمل في الدوائر الحكومة وفي نفس الوقت أضعاف المؤسسات التركمانية الحقيقية في اربيل.

٢. حصول الأحزاب الكردية:

·         على ۱۳ ٪ من الدخل العراقي بينما لم تحصل القوميات الأخرى، التي لا يقل حجمهم في العراق عن ۱٥٪، على أية حصة. رغم انخفاض عدد الأكراد في المحافظات الثلاثة انخفاضا كبيرا، ازدادت هذه النسبة إلى ۱۷ ٪ بعد الاحتلال وبقيت المجتمعات العراقية الأخرى محرومة من أية حصة.

 

·         على الواردات الهائلة للبواية الحدودية في خابور حيث كان العراق يعيش على الواردات فقط نتيجة الحصار الاقتصادي ولمدة ثلاثة عشر سنة. وكانت نسبة كبيرة من الواردات العراقية تدخل من الشمال.

۳. جلبت الهيمنة الكردية على جميع أنواع الإدارات في الشمال العراقي فوائد اقتصادية أخرى للفرد الكردي، حيث أعطيت الأعداد الكبيرة من المقاولات الحكومية في هذه المناطق إلى المقاولين الأكراد الذين يستخدمون موظفون وعمال أكراد.

 

هكذا يتغير الواقع في الجزء الأكبر من الشمال العراقي منذ الاحتلال ولمدة ستة سنوات حيث التفوق الاقتصادي الكردي وهيمنة الأحزاب الكردية على الإدارة المدنية والعسكرية والأمنية والعمل على إخضاع القوميات الغير الكردية لاغتصاب أراضيهم وضمها إلى إدارتهم.

 

___________________________

المراجع:

يؤكد معظم المراجع على أن الأكراد تركوا حياة البداوة في الجبال في التاريخ الحديث ونزلوا إلى السفوح والسهول حيث دخلوا المحافظات العراقية في نينوى، ديالى، اربيل وكركوك.

تقول الأكاديمية المخضرمة فيبا مار: "في التاريخ الحديث هاجر الأكراد أماكن سكناهم في الجبال إلى السفوح والسهول، وبنوا عديد من المستوطنات في مدينة الموصل وحولها في الشمال، وبنوا مدن ونواحي على طول نهر الديالى في الجنوب"

أما ادجر او’بالانسا فيصف انتشار الأكراد نحو العراق بدقة ويقول: "حتى الى نهاية القرن التاسع عشر، كان مشهد القبائل الكبيرة مع جميع مواشيها، وهم ينحدرون عبر جبال وسهول شمال الشرق الأوسط في البحث عن المراعي الخصبة، رائعة ومنذرة بالخطر - كاكراد بدو انتشروا كالطاعون من الجراد، يتغذون ويُعادون"

اما المؤرخ المعاصر والمختص في القضايا الكردية ديفيد ماكدويل فيقول: "المدن والقرى التي تقع على طول الطريق الرئيسي من الموصل إلى بغداد كانت مسكونة من قبل الذين يتكلمون اللغة التركية، وهم التركمان;. ولكن، كما لوحِظت من قبل اللجنة (يقصد لجنة عصبة الأمم في عام ١٩٢٤)، إن الأكراد يغتصبون الأراضي الزراعية الخصبة ويستكرِدون المدن وبالأخص المدن التركمانية الواقعة على طول الطريق الرئيسي"

أما هاي ففي صدد نزوح العشائر الكردية الى سهول اربيل فيقول: "نزلت قبائل ديزيي من الجبال قبل ثلاثة قرون واحتلت بضعة قرى حول قوش تبة. بداوا في النصف الاوسط من القرن التاسع عشر بالتوسع، واحتلوا المنطقة بالكامل حتى إلى نهر دجلة. وفي أواخر عشرينيات القرن العشرين أصبحوا يشكلون ثلث سكان مقاطعة اربيل.

وعن تركمانية مندلي يقول هاي في الصفحة ١٠: "في الحقيقة كانت مندلي منطقة تدريبية مثالية. تتواجد أربعة لغات في المنطقة، ومعظم المواطنين في المدن كانوا يتكلمون اللغات الأربعة. كأطفال تعلموا لغة الأم التركية في البيت، وأما اللهجة الكردية - الفيلية المحلية فتعلموها من الخدم ومن الساكنين في الروابي. ومن ثم تعلموا العربية من الذين كانوا يعملون في مزارع النخل العائدة لهم والفارسية من التجار الإيرانيين الذين كانوا يزورون مدينتهم وينزلون عندهم ضيوفا."

يعتبر الرحالة جورج توماس كيبل المدن العراقية الواقعة على الحدود الايرانية في محافظة ديالى قبل ١۸۰ عاما، خالية من الكرد:

"بعد العبور تقدمنا حوالي كيلومترين على ضفاف النهر (نهر ديالى) ووصلنا الى مدينة بعقوبة في اليوم الثاني من المسير. بدا لنا هذه المدينة وكأنها من المدن المهمة، لكنها دمرت بالكامل من قبل المسلحين الاكراد تحت قيادة محمد على ميرزا."

"وصلنا إلى شهربان في الساعة الحادية عشر، ووجدناها هُجرت تقريبا بالكامل، انها مدينة كبيرة نوعاما. تجولنا في شوارعها لبعض الوقت فلم نجد أية بيتا فيها ساكنيها، إلى أن وصلنا إلى خان، وجدنا هناك رجلا الذي قال لنا بان أهل المدينة تركوها جميعا لأنها نهبت ودمرت من قبل الكرد. هذه المدينة كانت وليست قبل أشهر كثيرة، إحدى أهم المدن المزدهرة والكثيفة بالسكان في مقاطعة بغداد، وألان يتكون جميع سكانها من ثلاثة عوائل ". "قزل رباط عانت ما عانتها جيرانها من الأرواح الحاقدة لأعدائها الكرد".

وحول خانقين يقول كيبل في صفحة ٢٩٧: "قبل حوالي عامين، احتلت المدينة من قبل محمد على ميرزا، وأخذت نصيبها من دمار الحرب. وعندما رجع الأمير إلى كرمنشاه ترك وراءه حامية متكونة من ثلاثة مائة من الأكراد حيث تفاجئوا بهجوم والي بغداد، وأعدمهم بدون استثناء. وحدثت هذه الكارثة قبل ستة أشهر فقط."

وفي طريقه إلى إيران يقول كيبل: "في خلال ساعة ونصف وجدنا أنفسنا في بارادان، مثل القرى الأخرى عانت هذه القرية من المسلحين الأكراد"


ارسل التعليق
الرئيسية
المقالات
الاخبار
الادب
الوثائق
حول المنبر
اتصل بنا
اعلانات
إصدارات

المنبر التركماني غير مسؤول عن الآراء المكتوبة ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر

Turkmen Tribune
contact@turkmentribune.com